[الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها]
ج ١ · ص ٤٠٩
يا مدمن الذنب أما تستحيي ... والله في الخلوة ثانيكا
غرك من ربك إمهاله ... وستره طول مساويكا
والمقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم لما وصى معاذا بتقوى الله سرا وعلانية، أرشده إلى ما يعينه على ذلك وهو أن يستحيي من الله كما يستحيي من رجل ذي هيبة من قومه. ومعنى ذلك أن يستشعر دائما بقلبه قرب الله منه واطلاعه عليه فيستحيي من نظره إليه. وقد امتثل معاذ ما وصاه به النبي صلى الله عليه وسلم وكان عمر قد بعثه على عمل، فقدم وليس معه شيء، فعاتبته امرأته، فقال: كان معي ضاغط، يعني: من يضيق علي ويمنعني من أخذ شيء، وإنما أراد معاذ ربه عز وجل، فظنت امرأته أن عمر بعث معه رقيبا، فقامت تشكوه إلى الناس. ومن صار له هذا المقام حالا دائما أو غالبا، فهو من المحسنين الذين يعبدون الله كأنهم يرونه، ومن المحسنين الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم. وفي الجملة فتقوى الله في السر هو علامة كمال الإيمان، وله تأثير عظيم في إلقاء الله لصاحبه الثناء في قلوب المؤمنين. وفي الحديث: " «ما أسر عبد سريرة إلا ألبسه الله رداءها علانية إن خيرا فخيرا، وإن شرا فشرا» " روي هذا مرفوعا، وروي عن ابن مسعود من قوله.
ج ١ · ص ٤١٠
وقال أبو الدرداء: ليتق أحدكم أن تلعنه قلوب المؤمنين وهو لا يشعر، يخلو بمعاصي الله، فيلقي الله له البغض في قلوب المؤمنين. وقال سليمان التيمي: إن الرجل ليصيب الذنب في السر فيصبح وعليه مذلته، وقال غيره: إن العبد ليذنب الذنب فيما بينه وبين الله، ثم يجيء إلى إخوانه، فيرون أثر ذلك عليه، وهذا من أعظم الأدلة على وجود الإله الحق المجازي بذرات الأعمال في الدنيا قبل الآخرة، ولا يضيع عنده عمل عامل، ولا ينفع من قدرته حجاب ولا استتار، فالسعيد من أصلح ما بينه وبين الله، فإنه من أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الخلق، ومن التمس محامد الناس بسخط الله، عاد حامده من الناس ذاما له. قال أبو سليمان: إن الخاسر من أبدى للناس صالح عمله، وبارز بالقبيح من هو أقرب إليه من حبل الوريد. ومن أعجب ما روي في هذا ما روي عن أبي جعفر السائح قال: كان حبيب أبو محمد تاجرا يكري الدراهم، فمر ذات يوم، فإذا هو بصبيان يلعبون، فقال بعضهم لبعض: قد جاء آكل الربا، فنكس رأسه، وقال: يا رب، أفشيت سري إلى الصبيان، فرجع فجمع ماله كله، وقال: يا رب إني أسير، وإني قد اشتريت نفسي منك بهذا المال فأعتقني، فلما أصبح تصدق بالمال كله وأخذ في العبادة، ثم مر ذات يوم بأولئك الصبيان، فلما رأوه قال بعضهم لبعض: اسكتوا فقد جاء حبيب العابد، فبكى وقال: يا رب أنت تذم مرة وتحمد مرة، وكله من عندك.
وقوله صلى الله عليه وسلم " «وأتبع السيئة الحسنة تمحها» " لما كان العبد مأمورا بالتقوى في السر والعلانية مع أنه لابد أن يقع منه أحيانا تفريط في التقوى، إما بترك بعض المأمورات، أو بارتكاب بعض المحظورات، فأمره بأن يفعل ما يمحو به هذه