تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها] — جامع العلوم والحكم

من جامع العلوم والحكم لـعبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي — الورقة ٣٧٢ من ٩٩٩.

[الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها]

ج ١ · ص ٤٢٤

عمل حسنة، ألقى واحدة بواحدة، وكتبت له تسع حسنات، فيقول الشيطان: يا ويله من يدرك تضعيف ابن آدم. وخرج الطبراني بإسناد فيه نظر عن أبي مالك الأشعري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا نام ابن آدم قال الملك للشيطان: أعطني صحيفتك، فيعطيه إياها، فما وجد في صحيفته من حسنة، محى بها عشر سيئات من صحيفة الشيطان، وكتبهن حسنات، فإذا أراد أن ينام أحدكم، فليكبر ثلاثا وثلاثين تكبيرة ويحمد أربعا وثلاثين تحميدة، ويسبح ثلاثا وثلاثين تسبيحة، فتلك مائة» وهذا غريب منكر. وروى وكيع: حدثنا الأعمش عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، قال: قال عبد الله، يعني ابن مسعود: وددت أني صولحت على أن أعمل كل يوم تسع خطيئات وحسنة. وهذا إشارة منه إلى أن الحسنة يمحى بها التسع خطيئات، ويفضل له ضعف واحد من ثواب الحسنة، فيكتفي به، والله أعلم.

وقد اختلف الناس في مسألتين: إحداهما: هل تكفر الأعمال الصالحة الكبائر والصغائر أم لا تكفر سوى الصغائر؟ فمنهم من قال: لا تكفر سوى الصغائر، وقد روي هذا عن عطاء وغيره من السلف في الوضوء أنه يكفر الصغائر، وقال سلمان الفارسي في الوضوء: إنه يكفر الجراحات الصغار، والمشي إلى المساجد يكفر أكبر من ذلك، والصلاة تكفر أكبر من ذلك. خرجه محمد بن نصر المروزي. وأما الكبائر، فلابد لها من التوبة، لأن الله أمر العباد بالتوبة، وجعل من

ج ١ · ص ٤٢٥

لم يتب ظالما، واتفقت الأمة على أن التوبة فرض، والفرائض لا تؤدى إلا بنية وقصد، ولو كانت الكبائر تقع مكفرة بالوضوء والصلاة، وأداء بقية أركان الإسلام، لم يحتج إلى التوبة، وهذا باطل بالإجماع. وأيضا فلو كفرت الكبائر بفعل الفرائض، لم يبق لأحد ذنب يدخل به النار إذا أتى بالفرائض، وهذا يشبه قول المرجئة وهو باطل، هذا ما ذكره ابن عبد البر في كتابه " التمهيد " وحكى إجماع المسلمين على ذلك، واستدل عليه بأحاديث: منها قوله صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» وهو مخرج في " الصحيحين "، من حديث أبي هريرة، وهذا يدل على أن الكبائر لا تكفرها هذه الفرائض. وقد حكى ابن عطية في تفسيره في معنى هذا الحديث قولين: أحدهما - عن جمهور أهل السنة - أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير هذه الفرائض للصغائر، فإن لم تجتنب، لم تكفر هذه الفرائض شيئا بالكلية. والثاني: أنها تكفر الصغائر مطلقا، ولا تكفر الكبائر وإن وجدت، لكن بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها، ورجح هذا القول، وحكاه عن الحذاق. وقوله: بشرط التوبة من الصغائر، وعدم الإصرار عليها، مراده أنه إذا أصر عليها، صارت كبيرة، فلم تكفرها الأعمال. والقول الأول الذي حكاه غريب، مع أنه قد حكي، عن أبي بكر عبد العزيز بن جعفر من أصحابنا مثله.

ت. شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس — مؤسسة الرسالة، بيروت