تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها] — جامع العلوم والحكم

من جامع العلوم والحكم لـعبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي — الورقة ٣٩٠ من ٩٩٩.

[الحديث الثامن عشر اتق الله حيثما كنت وأتبع السيئة الحسنة تمحها]

ج ١ · ص ٤٤٢

أحدهما: قول ابن عمر لما أعتق العبد الذي ضربه: ليس لي في عتقه من الأجر شيء، واستدل بأنه كفارة. والثاني: أن المصائب الدنيوية كلها مكفرات للذنوب، وقد قال كثير من الصحابة وغيرهم من السلف، إنه لا ثواب فيها مع التكفير، وإن كان بعضهم قد خالف في ذلك، ولا يقال: فقد فسر الكفارات في حديث المنام بإسباغ الوضوء في المكروهات، ونقل الأقدام إلى الصلوات، وقال: من فعل ذلك، عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه. وهذه كلها مع تكفيرها للسيئات ترفع الدرجات، ويحصل عليها الثواب، لأنا نقول: قد يجتمع في العمل الواحد شيئان يرفع بأحدهما الدرجات، ويكفر بالآخر السيئات، فالوضوء نفسه يثاب عليه لكن إسباغه في شدة البرد من جنس الآلام التي تحصل للنفوس في الدنيا، فيكون كفارة في هذه الحال، وأما في غير هذه الحالة، فتغفر به الخطايا، كما تغفر بالذكر وغيره، وكذلك المشي إلى الجماعات هو قربة وطاعة، ويثاب عليه، ولكن ما يحصل للنفس به من المشقة والألم بالتعب والنصب هو كفارة، وكذلك حبس النفس في المسجد لانتظار الصلاة وقطعها عن مألوفاتها من الخروج إلى المواضع التي تميل النفوس إليها، إما لكسب الدنيا أو للتنزه، هو من هذه الجهة مؤلم للنفس، فيكون كفارة. وقد جاء في الحديث أن إحدى خطوتي الماشي إلى المسجد ترفع له درجة، والأخرى تحط عنه خطيئة. وهذا يقوي ما ذكرناه، وأن ما حصل به

ج ١ · ص ٤٤٣

التكفير غير ما حصل به رفع الدرجات، والله أعلم. وعلى هذا، فيجتمع في العمل الواحد تكفير السيئات، ورفع الدرجات من جهتين، ويوصف في كل حال بكلا الوصفين، فلا تنافي بين تسميته كفارة وبين الإخبار عنه بمضاعفة الثواب به، أو وصفه برفع الدرجات، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر» . فإن في حبس النفس على المواظبة على الفرائض من مخالفة هواها وكفها عما تميل إليه ما يوجب ذلك تكفير الصغائر. وكذلك الشهادة في سبيل الله تكفر الذنوب بما يحصل بها من الألم، وترفع الدرجات بما اقترن بها من الأعمال الصالحة بالقلب والبدن، فتبين بهذا أن بعض الأعمال يجتمع فيها ما يوجب رفع الدرجات وتكفير السيئات من جهتين، ولا يكون بينهما منافاة، وهذا ثابت في الذنوب الصغائر بلا ريب، وأما الكبائر، فقد تكفر بالشهادة مع حصول الأجر للشهيد، لكن الشهيد ذا الخطايا في رابع درجة من درجات الشهداء، كذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث فضالة بن عبيد خرجه الإمام أحمد والترمذي.

وأما مغفرة الذنوب ببعض الأعمال مع توفير أجرها وثوابها، فقد دل عليه الأحاديث الصحيحة في الذكر، وقد قيل: إن تلك السيئات تكتب حسنات أيضا، كما في حديث أبي مالك الأشعري الذي سبق ذكره، وذكرنا أيضا عن

ت. شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس — مؤسسة الرسالة، بيروت