[الحديث التاسع عشر احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله]
ج ١ · ص ٤٧٩
وخرج ابن أبي الدنيا من حديث أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أن «رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إن بني فلان أغاروا علي فذهبوا بابني وإبلي، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: إن آل محمد كذا وكذا أهل بيت، ما لهم مد من طعام، أو صاع، فاسأل الله عز وجل، فرجع إلى امرأته، فقالت: ما قال لك؟ فأخبرها، فقالت: نعم ما رد عليك، فما لبث أن رد الله عليه ابنه وإبله أوفر ما كانت، فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه، وأمر الناس بمسألة الله عز وجل والرغبة إليه، وقرأ: {ومن يتق الله يجعل له مخرجا - ويرزقه من حيث لا يحتسب} [الطلاق: 2 - 3] [الطلاق: 2] » .
وقد ثبت في " الصحيحين " عن النبي صلى الله عليه وسلم «أن الله عز وجل يقول: هل من داع، فأستجيب له؟ هل من سائل فأعطيه؟ هل من مستغفر فأغفر له؟» .
وخرج المحاملي وغيره من حديث أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «قال الله تعالى: من ذا الذي دعاني فلم أجبه؟ وسألني فلم أعطه؟ واستغفرني، فلم أغفر له وأنا أرحم الراحمين؟» .
ج ١ · ص ٤٨٠
واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين، لأن السؤال فيه إظهار الذل من السائل والمسكنة والحاجة والافتقار، وفيه الاعتراف بقدرة المسئول على دفع هذا الضرر، ونيل المطلوب، وجلب المنافع، ودرء المضار، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده، لأنه حقيقة العبادة، وكان الإمام أحمد يدعو ويقول: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك، ولا يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواه. كما قال: {وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يردك بخير فلا راد لفضله} [يونس: 107] [يونس: 107] ، وقال: {ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده} [فاطر: 2] [فاطر: 2] .
والله سبحانه يحب أن يسأل ويرغب إليه في الحوائج، ويلح في سؤاله ودعائه، ويغضب على من لا يسأله، ويستدعي من عباده سؤاله، وهو قادر على إعطاء خلقه كلهم سؤلهم من غير أن ينقص من ملكه شيء، والمخلوق بخلاف ذلك كله: يكره أن يسأل، ويحب أن لا يسأل، لعجزه وفقره وحاجته، ولهذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: ويحك، تأتي من يغلق عنك بابه، ويظهر لك فقره، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه نصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه، ويقول ادعني أستجب لك؟ ! .
وقال طاوس لعطاء: إياك أن تطلب حوائجك إلى من أغلق بابه دونك ويجعل دونها حجابه، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة أمرك أن تسأله، ووعدك أن يجيبك.
وأما الاستعانة بالله عز وجل دون غيره من الخلق، فلأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه