[الحديث التاسع عشر احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله]
ج ١ · ص ٤٨٢
وقد دل الكتاب والسنن الصحيحة الكثيرة على مثل هذا المعنى، قال الله تعالى: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير} [الحديد: 22] [الحديد: 22] وفي " صحيح مسلم " عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة» .
وفيه أيضا عن جابر أن «رجلا قال: يا رسول الله، فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام، وجرت به المقادير، أم فيما يستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير، قال: ففيم العمل؟ قال: اعملوا فكل ميسر لما خلق له» .
وخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي من حديث عبادة بن الصامت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن أول ما خلق الله القلم، ثم قال: اكتب فجرى في تلك الساعة بما هو كائن إلى يوم القيامة» .
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة جدا يطول ذكرها.
قوله صلى الله عليه وسلم: «فلو أن الخلق جميعا أرادوا أن ينفعوك بشيء لم يقضه الله، لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيء لم يكتبه الله عليك، لم يقدروا عليه» .
هذه رواية الإمام أحمد، ورواية الترمذي بهذا المعنى أيضا، والمراد: أن ما يصيب العبد في دنياه مما يضره أو ينفعه، فكله مقدر عليه، ولا يصيب العبد
ج ١ · ص ٤٨٣
إلا ما كتب له من مقادير ذلك في الكتاب السابق، ولو اجتهد على ذلك الخلق كلهم جميعا.
وقد دل القرآن على مثل هذا في قوله عز وجل: {قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا} [التوبة: 51] [التوبة: 51] ، وقوله: {ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها} [الحديد: 22] [الحديد: 22] ، وقوله: {قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم} [آل عمران: 154] [آل عمران: 154] .
وخرج الإمام أحمد من حديث أبي الدرداء عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن لكل شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتى يعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وأن ما أخطأه لم يكن ليصيبه» .
وخرج أبو داود وابن ماجه من حديث زيد بن ثابت، عن النبي صلى الله عليه وسلم معنى ذلك أيضا.
واعلم أن مدار جميع هذه الوصية على هذا الأصل، وما ذكر قبله وبعده، فهو متفرع عليه، وراجع إليه، فإن العبد إذا علم أن لن يصيبه إلا ما كتب الله له من خير وشر، ونفع وضر، وأن اجتهاد الخلق كلهم على خلاف المقدور غير مفيد البتة، علم حينئذ أن الله وحده هو الضار النافع، المعطي المانع، فأوجب ذلك للعبد توحيد ربه عز وجل، وإفراده بالطاعة، وحفظ حدوده، فإن المعبود إنما يقصد بعبادته جلب المنافع ودفع المضار، ولهذا ذم الله من يعبد من لا ينفع ولا يضر، ولا يغني عن عابده شيئا، فمن يعلم أنه لا ينفع ولا يضر، ولا يعطي ولا يمنع غير الله، أوجب له ذلك إفراده بالخوف والرجاء والمحبة والسؤال