[الحديث التاسع عشر احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك إذا سألت فاسأل الله]
ج ١ · ص ٤٨٩
ويروى من حديث سعد بن سنان، عن أنس، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: " «ليس عدوك الذي إذا قتلك أدخلك الجنة، وإذا قتلته كان لك نورا، أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك» ".
وقال أبو بكر الصديق في وصيته لعمر رضي الله عنهما حين استخلفه: إن أول ما أحذرك نفسك التي بين جنبيك.
فهذا الجهاد يحتاج أيضا إلى صبر، فمن صبر على مجاهدة نفسه وهواه وشيطانه، غلبه وحصل له النصر والظفر، وملك نفسه، فصار عزيزا ملكا، ومن جزع ولم يصبر على مجاهدة ذلك، غلب وقهر وأسر، وصار عبدا ذليلا أسيرا في يدي شيطانه وهواه، كما قيل:
إذا المرء لم يغلب هواه أقامه ... بمنزلة فيها العزيز ذليل
قال ابن المبارك: من صبر، فما أقل ما يصبر، ومن جزع فما أقل ما يتمتع.
فقوله صلى الله عليه وسلم: " «إن النصر مع الصبر» " يشمل النصر في الجهادين: جهاد العدو الظاهر، وجهاد العدو الباطن، فمن صبر فيهما، نصر وظفر بعدوه، ومن لم يصبر فيهما وجزع، قهر وصار أسيرا لعدوه أو قتيلا له.
وقوله صلى الله عليه وسلم: " «وأن الفرج مع الكرب» " وهذا يشهد له قوله عز وجل: {وهو الذي ينزل الغيث من بعد ما قنطوا وينشر رحمته} [الشورى: 28] [الشورى: 28] وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ضحك ربنا من قنوط عباده وقرب غيره» خرجه الإمام أحمد، وخرجه ابنه عبد
ج ١ · ص ٤٩٠
الله في حديث طويل، وفيه: " «علم الله يوم الغيث أنه ليشرف عليكم أزلين قنطين، فيظل يضحك قد علم أن غيركم إلى قرب» " والمعنى أنه سبحانه يعجب من قنوط عباده عند احتباس القطر عنهم وقنوطهم ويأسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت فرجه ورحمته لعباده، بإنزال الغيث عليهم، وتغييره لحالهم وهم لا يشعرون. وقال تعالى: {فإذا أصاب به من يشاء من عباده إذا هم يستبشرون - وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم من قبله لمبلسين} [الروم: 48 - 49] [الروم: 48 - 49] وقال تعالى: {حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنا} [يوسف: 110] [يوسف: 110] وقال: {حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب} [البقرة: 214] [البقرة: 214] وقال حاكيا عن يعقوب أنه قال لبنيه: {يا بني اذهبوا فتحسسوا من يوسف وأخيه ولا تيأسوا من روح الله} [يوسف: 87] [يوسف: 87] ، ثم قص قصة اجتماعهم عقب ذلك.
وكم قص سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب كإنجاء نوح ومن معه في الفلك، وإنجاء إبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أمر بذبحه، وإنجاء موسى وقومه من اليم، وإغراق عدوهم، وقصة أيوب ويونس، وقصص محمد صلى الله عليه وسلم مع أعدائه، وإنجائه منهم، كقصته في الغار، ويوم بدر، ويوم أحد، ويوم الأحزاب، ويوم حنين، وغير ذلك.
وقوله صلى الله عليه وسلم " «فإن مع العسر يسرا» " هو منتزع من قوله تعالى: {سيجعل الله بعد عسر يسرا} [الطلاق: 7]