[الحديث العشرون إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فاصنع ما شئت]
ج ١ · ص ٥٠٠
" الحياء خلة أوتوها ومنعتموها» ".
واعلم أن الحياء نوعان: أحدهما: ما كان خلقا وجبلة غير مكتسب، وهو من أجل الأخلاق التي يمنحها الله العبد ويجبله عليها، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: " «الحياء لا يأتي إلا بخير» " فإنه يكف عن ارتكاب القبائح ودناءة الأخلاق، ويحث على استعمال مكارم الأخلاق ومعاليها، فهو من خصال الإيمان بهذا الاعتبار، وقد روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: من استحيا، اختفى، ومن اختفى، اتقى، ومن اتقى وقي.
وقال الجراح بن عبد الله الحكمي - وكان فارس أهل الشام -: تركت الذنوب حياء أربعين سنة، ثم أدركني الورع. وعن بعضهم قال: رأيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءة فاستحالت ديانة.
النوع الثاني: ما كان مكتسبا من معرفة الله، ومعرفة عظمته وقربه من عباده، واطلاعه عليهم، وعلمه بخائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهذا من أعلى خصال الإيمان، بل هو من أعلى درجات الإحسان، وقد تقدم أن «النبي صلى الله عليه وسلم قال لرجل: " استحي من الله كما تستحيي رجلا من صالح عشيرتك» ".
وفي حديث ابن مسعود: " «الاستحياء من الله أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى؛ ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، فمن فعل ذلك، فقد استحيا من الله» " خرجه الإمام أحمد والترمذي مرفوعا.
ج ١ · ص ٥٠١
وقد يتولد من الله الحياء من مطالعة نعمه ورؤية التقصير في شكرها، فإذا سلب العبد الحياء المكتسب والغريزي، لم يبق له ما يمنعه من ارتكاب القبيح، والأخلاق الدنيئة، فصار كأنه لا إيمان له. وقد روي من مراسيل الحسن، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " «الحياء حياءان: طرف من الإيمان، والآخر عجز» " ولعله من كلام الحسن، وكذلك قال بشير بن كعب العدوي لعمران بن حصين: إنا نجد في بعض الكتب أن منه سكينة ووقارا لله، ومنه ضعف، فغضب عمران وقال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتعارض فيه؟ والأمر كما قاله عمران رضي الله عنه، فإن الحياء الممدوح في كلام النبي صلى الله عليه وسلم إنما يريد به الخلق الذي يحث على فعل الجميل، وترك القبيح، فأما الضعف والعجز الذي يوجب التقصير في شيء من حقوق الله أو حقوق عباده، فليس هو من الحياء، إنما هو ضعف وخور، وعجز ومهانة، والله أعلم.