[الحديث الثالث والعشرون الطهور شطر الإيمان]
ج ٢ · ص ٢٣
وقد ذكرنا قريبا حديث أبي الدرداء فيمن أدى زكاة ماله طيبة بها نفسه، قال: وكان يقول: لا يفعل ذلك إلا مؤمن. وسبب هذا أن المال تحبه النفوس وتبخل به، فإذا سمحت بإخراجه لله عز وجل دل ذلك على صحة إيمانها بالله ووعده ووعيده، ولهذا منعت العرب الزكاة بعد النبي صلى الله عليه وسلم، وقاتلهم الصديق رضي الله عنه على منعها، والصلاة أيضا برهان على صحة الإسلام. وقد خرج الإمام أحمد والترمذي من حديث كعب بن عجرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصلاة برهان» . وقد ذكرنا في شرح حديث: «أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة» أن الصلاة هي الفارقة بين الكفر والإسلام، وهي أيضا أول ما يحاسب به المرء يوم القيامة، فإن تمت صلاته فقد أفلح وأنجح، وقد سبق حديث عبد الله بن عمرو فيمن حافظ عليها أنها تكون له نورا وبرهانا ونجاة يوم القيامة. وأما الصبر فإنه ضياء، والضياء: هو النور الذي يحصل فيه نوع حرارة وإحراق كضياء الشمس بخلاف القمر، فإنه نور محض، فيه إشراق بغير إحراق، قال الله عز وجل: {هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا} [يونس: 5] [يونس: 5] ومن هنا وصف الله شريعة موسى بأنها ضياء، كما قال: {ولقد آتينا موسى وهارون الفرقان وضياء وذكرا للمتقين} [الأنبياء: 48] [الأنبياء: 48]
ج ٢ · ص ٢٤
وإن كان قد ذكر أن في التوراة نورا كما قال: {إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور} [المائدة: 44] [المائدة: 44] ، ولكن الغالب على شريعتهم الضياء لما فيها من الآصار والأغلال والأثقال. ووصف شريعة محمد صلى الله عليه وسلم بأنها نور لما فيها من الحنيفية السمحة، قال الله تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين} [المائدة: 15] [المائدة: 15] وقال: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون} [الأعراف: 157] [الأعراف: 157] . ولما كان الصبر شاقا على النفوس، يحتاج إلى مجاهدة النفس وحبسها وكفها عما تهواه، كان ضياء، فإن معنى الصبر في اللغة الحبس، ومنه قتل الصبر: وهو أن يحبس الرجل حتى يقتل. والصبر المحمود أنواع: منه صبر على طاعة الله عز وجل، ومنه صبر عن معاصي الله عز وجل، ومنه صبر على أقدار الله عز وجل، والصبر على الطاعات وعن المحرمات أفضل من الصبر على الأقدار المؤلمة، صرح بذلك السلف، منهم سعيد بن جبير، وميمون بن مهران وغيرهما. وقد روي بإسناد ضعيف من حديث علي مرفوعا " «إن الصبر على المعصية يكتب به للعبد ثلاثمائة درجة، وإن الصبر على الطاعة تكتب به ستمائة درجة، وإن الصبر عن المعاصي يكتب له به تسعمائة درجة» "، وقد خرجه ابن أبي الدنيا وابن جرير الطبري.