[الحديث الثاني بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر]
ج ١ · ص ١٠٣
وأما من أنكر العلم القديم، فنص الشافعي وأحمد على تكفيره، وكذلك غيرهما من أئمة الإسلام. فإن قيل: فقد فرق النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث بين الإسلام والإيمان، وجعل الأعمال كلها من الإسلام، لا من الإيمان، والمشهور عن السلف وأهل الحديث أن الإيمان: قول وعمل ونية، وأن الأعمال كلها داخلة في مسمى الإيمان. وحكى الشافعي على ذلك إجماع الصحابة والتابعين ومن بعدهم ممن أدركهم. وأنكر السلف على من أخرج الأعمال من الإيمان إنكارا شديدا. وممن أنكر ذلك على قائله، وجعله قولا محدثا: سعيد بن جبير، وميمون بن مهران، وقتادة، وأيوب السختياني، وإبراهيم النخعي، والزهري، ويحيى بن أبي كثير، وغيرهم. وقال الثوري: هو رأي محدث، أدركنا الناس على غيره. وقال الأوزاعي: كان من مضى ممن سلف لا يفرقون بين الإيمان والعمل. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار: أما بعد، فإن الإيمان فرائض وشرائع [وحدود] وسنن، فمن استكملها، استكمل الإيمان. ومن لم يستكملها، لم يستكمل الإيمان، ذكره البخاري في " صحيحه ". قيل الأمر على ما ذكره، وقد دل على دخول الأعمال في الإيمان قوله تعالى: {إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون - الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون - أولئك هم المؤمنون حقا} [الأنفال: 2 - 4] (الأنفال: 2 - 4) .
ج ١ · ص ١٠٤
وفي " الصحيحين " عن ابن عباس: أن «النبي صلى الله عليه وسلم قال: لوفد عبد القيس: آمركم بأربع: الإيمان بالله، وهل تدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس» . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «الإيمان بضع وسبعون، أو بضع وستون شعبة، فأفضلها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان» ولفظه لمسلم. وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن» . فلولا أن ترك هذه الكبائر من مسمى الإيمان، لما انتفى اسم الإيمان عن مرتكب شيء منها؛ لأن الاسم لا ينتفى إلا بانتفاء بعض أركان المسمى أو واجباته. وأما وجه الجمع بين هذه النصوص وبين حديث سؤال جبريل عليه السلام عن الإسلام والإيمان، وتفريق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما، وإدخاله الأعمال في مسمى الإسلام دون الإيمان، فإنه يتضح بتقرير أصل، وهو أن من الأسماء ما