[الحديث الرابع والثلاثون من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه]
ج ٢ · ص ٢٥٠
وفي " مسند البزار " بإسناد فيه جهالة «عن أبي عبيدة بن الجراح، قال: قلت: يا رسول الله، أي الشهداء أكرم على الله؟ قال: رجل قام إلى إمام جائر، فأمره بمعروف، ونهاه عن منكر فقتله» . وقد روي معناه من وجوه أخر كلها فيها ضعف.
وأما حديث: «لا ينبغي للمؤمن أن يذل نفسه» ، فإنما يدل على أنه إذا علم أنه لا يطيق الأذى ولا يصبر عليه، فإنه لا يتعرض حينئذ للآمر، وهذا حق، وإنما الكلام فيمن علم من نفسه الصبر، كذلك قاله الأئمة، كسفيان وأحمد والفضيل بن عياض وغيرهم.
وقد روي عن أحمد ما يدل على الاكتفاء بالإنكار بالقلب، قال في رواية أبي داود: نحن نرجو إن أنكر بقلبه، فقد سلم، وإن أنكر بيده فهو أفضل، وهذا محمول على أنه يخاف كما صرح بذلك في رواية غير واحد. وقد حكى القاضي أبو يعلى روايتين عن أحمد في وجوب إنكار المنكر على من يعلم أنه لا يقبل منه، وصح القول بوجوبه، وهذا قول أكثر العلماء. وقد قيل لبعض السلف في هذا، فقال: يكون لك معذرة، وهذا كما أخبر الله عن الذين أنكروا على المعتدين في السبت أنهم قالوا لمن قال لهم: أتعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون [الأعراف: 164] ،
ج ٢ · ص ٢٥١
وقد ورد ما يستدل به على سقوط الأمر والنهي عند عدم القبول والانتفاع به، ففي " سنن أبي داود وابن ماجه والترمذي «عن أبي ثعلبة الخشني أنه قيل له: كيف تقول في هذه الآية: {عليكم أنفسكم} [المائدة: 105] [المائدة: 105] ، فقال: أما والله لقد سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: بل ائتمروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بنفسك، ودع عنك أمر العوام» .
وفي " سنن أبي داود " عن عبد الله بن عمرو، قال: «بينما نحن حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذ ذكر الفتنة، فقال: إذا رأيتم الناس مرجت عهودهم، وخفت أماناتهم، وكانوا هكذا وشبك أصابعه، فقمت إليه، فقلت له: كيف أفعل عند ذلك، جعلني الله فداك؟ فقال: الزم بيتك، واملك عليك لسانك، وخذ بما تعرف، ودع ما تنكر، وعليك بأمر خاصة نفسك، ودع عنك أمر العامة» .
وكذلك روي عن طائفة من الصحابة في قوله تعالى: {عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105] [المائدة: 105] ، قالوا: لم يأت تأويلها بعد، إنما تأويلها في آخر الزمان.
وعن ابن مسعود قال: إذا اختلفت القلوب والأهواء، وألبستم شيعا، وذاق بعضكم بأس بعض، فيأمر الإنسان حينئذ نفسه، حينئذ تأويل هذه الآية.