[الحديث الثامن والثلاثون قال الله تعالى من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب]
ج ٢ · ص ٣٤٤
وفي " المسند " عن عمرو بن الجموح، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «لا يجد العبد صريح الإيمان حتى يحب لله ويبغض لله، فإذا أحب لله، وأبغض لله، فقد استحق ولاية من الله، إن أوليائي من عبادي وأحبائي من خلقي الذين يذكرون بذكري وأذكر بذكرهم» . وسئل المرتعش: بم تنال المحبة؟ قال: بموالاة أولياء الله، ومعادة أعدائه، وأصله الموافقة. وفي " الزهد " للإمام أحمد عن عطاء بن يسار، قال: «قال موسى عليه السلام: يا رب، من هم أهلك الذين تظلهم في ظل عرشك؟ قال: يا موسى، هم البريئة أيديهم، الطاهرة قلوبهم، الذين يتحابون بجلالي، الذين إذا ذكرت ذكروا بي، وإذا ذكروا ذكرت بذكرهم، الذين يسبغون الوضوء في المكاره، وينيبون إلى ذكري كما تنيب النسور إلى وكورها، ويكلفون بحبي كما يكلف الصبي بحب الناس، ويغضبون لمحارمي إذا استحلت كما يغضب النمر إذا حرب. قوله: فإذا أحببته، كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها» ، وفي بعض الروايات: «وقلبه الذي يعقل به، ولسانه الذي ينطق به» . المراد بهذا الكلام: أن من اجتهد بالتقرب إلى الله بالفرائض، ثم بالنوافل، قربه إليه، ورقاه من درجة الإيمان إلى درجة الإحسان، فيصير يعبد الله على الحضور والمراقبة كأنه يراه، فيمتلئ قلبه بمعرفة الله تعالى، ومحبته،
ج ٢ · ص ٣٤٥
وعظمته، وخوفه، ومهابته، وإجلاله، والأنس به، والشوق إليه، حتى يصير هذا الذي في قلبه من المعرفة مشاهدا له بعين البصيرة كما قيل:
ساكن في القلب يعمره ... لست أنساه فأذكره
غاب عن سمعي وعن بصري ... فسويدا القلب يبصره
قال الفضيل بن عياض: إن الله يقول: " كذب من ادعى محبتي، ونام عني، أليس كل محب يحب خلوة حبيبه؟ ها أنا مطلع على أحبابي وقد مثلوني بين أعينهم، وخاطبوني على المشاهدة، وكلموني بحضور، غدا أقر أعينهم في جناني ". ولا يزال هذا الذي في قلوب المحبين المقربين يقوى حتى تمتلئ قلوبهم به، فلا يبقى في قلوبهم غيره، ولا تستطيع جوارحهم أن تنبعث إلا بموافقة ما في قلوبهم، ومن كان حاله هذا، قيل فيه: ما بقي في قلبه إلا الله، والمراد معرفته ومحبته وذكره، وفي هذا المعنى الأثر الإسرائيلي المشهور: " يقول الله: ما وسعني سمائي ولا أرضي، ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن ". وقال بعض العارفين: احذروه، فإنه غيور لا يحب أن يرى في قلب عبده غيره، وفي هذا يقول بعضهم:
ليس للناس موضع في فؤادي ... زاد فيه هواك حتى امتلا
وقال آخر:
قد صيغ قلبي على مقدار حبهم ... فما لحب سواهم فيه متسع