[الحديث الثاني بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر]
ج ١ · ص ١٣٣
وقال الفضيل: طوبى لمن استوحش من الناس، وكان الله جليسه. وقال أبو سليمان لا آنسني الله إلا به أبدا. وقال معروف لرجل: توكل على الله حتى يكون جليسك، وأنيسك وموضع شكواك. وقال ذو النون: من علامة المحبين لله أن لا يأنسوا بسواه، ولا يستوحشوا معه، ثم قال: إذا سكن القلب حب الله تعالى، أنس بالله، لأن الله تعالى أجل في صدور العارفين أن يحبوا سواه. وكلام القوم في هذا الباب يطول ذكره جدا، وفيما ذكرناه كفاية إن شاء الله تعالى. فمن تأمل ما أشرنا إليه مما دل عليه هذا الحديث العظيم علم أن جميع العلوم والمعارف ترجع إلى هذا الحديث وتدخل تحته، وأن جميع العلماء من فرق هذه الأمة لا تخرج علومهم التي يتكلمون فيها عن هذا الحديث، وما دل عليه مجملا ومفصلا فإن الفقهاء إنما يتكلمون في العبادات التي هي من جملة خصال الإسلام، ويضيفون إلى ذلك الكلام في أحكام الأموال والأبضاع والدماء وكل ذلك من علم الإسلام كما سبق التنبيه عليه، ويبقى كثير من علم الإسلام من الآداب والأخلاق وغير ذلك لا يتكلم عليه إلا القليل منهم، ولا يتكلمون على معنى الشهادتين، وهما أصل الإسلام كله. والذين يتكلمون في أصول الديانات، يتكلمون على الشهادتين، وعلى الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقدر.
ج ١ · ص ١٣٤
والذين يتكلمون على علم المعارف والمعاملات يتكلمون على مقام الإحسان، وعلى الأعمال الباطنة التي تدخل في الإيمان أيضا، كالخشية، والمحبة، والتوكل، والرضا، والصبر، ونحو ذلك فانحصرت العلوم الشرعية التي يتكلم عليها فرق المسلمين في هذا الحديث، ورجعت كلها إليه، ففي هذا الحديث وحده كفاية، ولله الحمد والمنة.
وبقي الكلام على ذكر الساعة من الحديث. فقول جبريل عليه السلام «أخبرني عن الساعة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما المسئول عنها بأعلم من السائل» يعني أن علم الخلق كلهم في وقت الساعة سواء، وهذه إشارة إلى أن الله تعالى استأثر بعلمها، ولهذا في حديث أبي هريرة: قال النبي صلى الله عليه وسلم في «خمس لا يعلمهن إلا الله تعالى ثم تلا: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} [لقمان: 34] (لقمان: 34) ، وقال الله عز وجل {يسألونك عن الساعة أيان مرساها قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة} [الأعراف: 187] (الأعراف: 187) » . وفي " صحيح البخاري "، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها إلا الله، ثم قرأ هذه الآية: {إن الله عنده علم الساعة} [لقمان: 34] الآية» . وخرجه الإمام أحمد، ولفظه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أوتيت مفاتيح كل شيء