تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[الحديث الخامس والأربعون إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام] — جامع العلوم والحكم

من جامع العلوم والحكم لـعبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي — الورقة ٩١٦ من ٩٩٩.

[الحديث الخامس والأربعون إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام]

ج ٢ · ص ٤٥١

هريرة: هو سحت، وقال ابن سيرين: هو أخبث الكسب، وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: ما أبالي ثمن كلب أكلت أو ثمن خنزير. وهؤلاء لهم مآخذ: أحدها: أنه إنما نهي عن بيعها لنجاستها، وهؤلاء التزموا تحريم بيع كل نجس العين، وهذا قول الشافعي، وابن جرير، ووافقهم جماعة من أصحابنا، كابن عقيل " في نظرياته " وغيره، والتزموا أن البغل والحمار إنما نجيز بيعهما إذا لم نقل بنجاستهما، وهذا مخالف للإجماع. والثاني: أن الكلب لم يبح الانتفاع به واقتناؤه مطلقا كالبغل والحمار، وإنما أبيح اقتناؤه لحاجات مخصوصة، وذلك لا يبيح بيعه كما لا يبيح الضرورة إلى الميتة والدم بيعهما، وهذا مأخذ طائفة من أصحابنا وغيرهم. والثالث: أنه إنما نهي عن بيعه لخسته ومهانته، فإنه لا قيمة له إلا عند ذوي الشح والمهانة، وهو متيسر الوجود، فنهي عن أخذ ثمنه ترغيبا في المواساة بما يفضل منه عن الحاجة، وهذا مأخذ الحسن البصري وغيره من السلف، وكذا قال بعض أصحابنا في النهي عن بيع السنور. ورخصت طائفة في بيع ما يباح اقتناؤه من الكلاب، ككلب الصيد، وهو قول عطاء والنخعي وأبي حنيفة وأصحابه، ورواية عن مالك، وقالوا: إنما نهي عن بيع ما يحرم اقتناؤه منها. وروى حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ثمن الكلب والسنور، إلا كلب صيد» ، خرجه النسائي،

ج ٢ · ص ٤٥٢

وقال: هو حديث منكر، وقال أيضا: ليس بصحيح، وذكر الدارقطني أن الصحيح وقفه على جابر، وقال أحمد: لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم رخصة في كلب الصيد، وأشار البيهقي وغيره إلى أنه اشتبه على بعض الرواة هذا الاستثناء، فظنه من البيع، وإنما هو من الاقتناء، وحماد بن سلمة في رواياته عن أبي الزبير ليس بالقوي، ومن قال: إن هذا الحديث على شرط مسلم - كما ظنه طائفة من المتأخرين - فقد أخطأ، لأن مسلما لم يخرج لحماد بن سلمة، عن أبي الزبير شيئا، وقد بين في كتاب " التمييز " أن رواياته عن كثير من شيوخه أو أكثرهم غير قوية.

فأما بيع الهر، فقد اختلف العلماء في كراهته، فمنهم من كرهه، وروي ذلك عن أبي هريرة وجابر وعطاء وطاوس ومجاهد، وجابر بن زيد، والأوزاعي، وأحمد في رواية عنه، وقال: هو أهون من جلود السباع، وهذا اختيار أبي بكر من أصحابنا، ورخص في بيع الهر ابن عباس وعطاء في رواية الحسن وابن سيرين والحكم وحماد، وهو قول الثوري وأبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه، وعن إسحاق روايتان، وعن الحسن أنه كره بيعها، ورخص في شرائها للانتفاع بها. وهؤلاء منهم من لم يصحح النهي عن بيعها قال أحمد: ما أعلم فيه شيئا يثبت أو يصح، وقال أيضا: الأحاديث فيه مضطربة. ومنهم من حمل النهي على ما لا نفع فيه كالبري ونحوه. ومنهم من قال: إنما نهى عن بيعها، لأنه دناءة وقلة مروءة، لأنها متيسرة

ت. شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس — مؤسسة الرسالة، بيروت