تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[الحديث الخامس والأربعون إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام] — جامع العلوم والحكم

من جامع العلوم والحكم لـعبد الرحمن بن أحمد ابن رجب الحنبلي — الورقة ٩٢٠ من ٩٩٩.

[الحديث الخامس والأربعون إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام]

ج ٢ · ص ٤٥٥

الحديث السادس والأربعون. عن أبي بردة، عن أبيه، «عن أبي موسى الأشعري أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه إلى اليمن، فسأله عن أشربة تصنع بها، فقال: وما هي؟ قال: البتع والمزر، فقيل لأبي بردة: وما البتع؟ قال: نبيذ العسل، والمزر نبيذ الشعير، فقال: كل مسكر حرام» خرجه البخاري.

  وخرجه مسلم، ولفظه قال: «بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا ومعاذ إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله، إن شرابا يصنع بأرضنا يقال له: المزر من الشعير، وشراب يقال له: البتع من العسل، فقال: كل مسكر حرام» . وفي رواية لمسلم: فقال: «كل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام» ، وفي رواية له قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أعطي جوامع الكلم بخواتمه فقال: «أنهى عن كل مسكر أسكر عن الصلاة» . فهذا الحديث أصل في تحريم تناول جميع المسكرات، المغطية للعقل، وقد ذكر الله في كتابه العلة المقتضية لتحريم المسكرات، وكان أول ما حرمت الخمر عند حضور وقت الصلاة لما صلى بعض المهاجرين وقرأ في صلاته، فخلط في قراءته، فنزل قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] [النساء: 43] ، وكان منادي رسول الله صلى الله عليه وسلم

ج ٢ · ص ٤٥٦

ينادي لا يقرب الصلاة سكران، ثم إن الله حرمها على الإطلاق بقوله تعالى: {إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون - إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 90 - 91] [المائدة: 90 - 91] . فذكر سبحانه علة تحريم الخمر والميسر وهو القمار، وهو أن الشيطان يوقع بينهم العداوة والبغضاء، فإن من سكر اختل عقله، فربما تسلط على أذى الناس في أنفسهم وأموالهم، وربما بلغ إلى القتل، وهي أم الخبائث، فمن شربها قتل النفس وزنا، وربما كفر. وقد روي هذا المعنى عن عثمان وغيره، وروي مرفوعا أيضا. ومن قامر فربما قهر، وأخذ ماله قهرا، فلم يبق له شيء، فيشتد حقده على من أخذ ماله. وكل ما أدى إلى إيقاع العداوة والبغضاء كان حراما، وأخبر سبحانه أن الشيطان يصد بالخمر والميسر عن ذكر الله وعن الصلاة، فإن السكران يزول عقله أو يختل، فلا يستطيع أن يذكر الله، ولا أن يصلي، ولهذا قال طائفة من السلف: إن شارب الخمر تمر عليه ساعة لا يعرف فيها ربه، والله سبحانه إنما خلق الخلق ليعرفوه، ويذكروه، ويعبدوه، ويطيعوه، فما أدى إلى الامتناع من ذلك، وحال بين العبد وبين معرفة ربه وذكره ومناجاته، كان محرما، وهو السكر، وهذا بخلاف النوم، فإن الله تعالى جبل العباد عليه، واضطرهم إليه، ولا قوام لأبدانهم إلا به، إذ هو راحة لهم من السعي والنصب، فهو من

ت. شعيب الأرناؤوط وإبراهيم باجس — مؤسسة الرسالة، بيروت