[الحديث السادس والأربعون كل مسكر حرام]
ج ٢ · ص ٤٥٩
مسكر حرام» . وإلى هذا القول ذهب جمهور علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من علماء الأمصار، وهو مذهب مالك والشافعي والليث والأوزاعي وأحمد وإسحاق ومحمد بن الحسن وغيرهم، وهو مما اجتمع على القول به أهل المدينة كلهم. وخالف فيه طوائف من علماء أهل الكوفة، وقالوا: إن الخمر إنما هي خمر العنب خاصة، وما عداها، فإنما يحرم منه القدر الذي يسكر، ولا يحرم ما دونه، وما زال علماء الأمصار ينكرون ذلك عليهم، وإن كانوا في ذلك مجتهدين مغفورا لهم، وفيهم خلق من أئمة العلم والدين. قال ابن المبارك: ما وجدت في النبيذ رخصة عن أحد صحيح إلا عن إبراهيم، يعني النخعي، وكذلك أنكر الإمام أحمد أن يكون فيه شيء يصح، وقد صنف كتاب " الأشربة " ولم يذكر فيه شيئا من الرخصة، وصنف كتابا في المسح على الخفين، وذكر فيه عن بعض السلف إنكاره، فقيل له: كيف لم تجعل في كتاب الأشربة الرخصة كما جعلت في المسح؟ فقال: ليس في الرخصة في السكر حديث صحيح. ومما يدل على أن كل مسكر خمر أن تحريم الخمر إنما نزل في المدينة بسبب سؤال أهل المدينة عما عندهم من الأشربة، ولم يكن بها خمر العنب، فلو لم
ج ٢ · ص ٤٦٠
تكن آية تحريم الخمر شاملة لما عندهم، لما كان فيها بيان لما سألوا عنه، ولكان محل السبب خارجا من عموم الكلام، وهو ممتنع، ولما نزل تحريم الخمر أراقوا ما عندهم من الأشربة، فدل على أنهم فهموا أنه من الخمر المأمور باجتنابه. وفي " صحيح البخاري " عن أنس قال: حرمت علينا الخمر حين حرمت وما نجد خمر الأعناب إلا قليلا، وعامة خمرنا البسر والتمر. وعنه أنه قال: إني لأسقي أبا طلحة، وأبا دجانة، وسهيل بن بيضاء خليط بسر وتمر إذ حرمت الخمر، فقذفتها، وأنا ساقيهم وأصغرهم، وإنا نعدها يومئذ الخمر. وفي " الصحيحين " عنه قال: ما كان لنا خمر غير فضيخكم هذا الذي تسمونه الفضيخ. وفي " صحيح مسلم " عنه قال: «لقد أنزل الله الآية التي حرم فيها الخمر، وما بالمدينة شراب يشرب إلا من تمر» . وفي " صحيح البخاري " عن ابن عمر، قال: نزل تحريم الخمر وإن بالمدينة يومئذ لخمسة أشربة ما منها شراب العنب. وفي " الصحيحين " عن الشعبي، عن ابن عمر، قال: قام عمر على المنبر، فقال: أما بعد، نزل تحريم الخمر وهي من خمس: العنب، والتمر، والعسل