قال تعالى: (وقالوا لن تمسنا النار إلا أياما معدودة قل أتخذتم عند الله عهدا فلن يخلف الله عهده أم تقولون على الله ما لا تعلمون (80))
ج ١ · ص ١٤٨
فان قيل: الجار والمجرور نكرة، والصيام معرفة، والنكرة لا تكون صفة للمعرفة.
قيل لما لم يرد بالصيام صياما معينا كان كالمنكر، وقد ذكرنا نحو ذلك في الفاتحة، ويقوي ذلك أن الصيام مصدر، والمصدر جنس، وتعريف الجنس قريب من تنكيره.
قوله تعالى: (أياما معدودات) : لا يجوز أن ينتصب بمصدر «كتب» الأولى لا على الظرف، ولا على أنه مفعول به على السعة ; لأن الكاف في كما وصف لمصدر محذوف، والمصدر إذا وصف لم يعمل، وكذلك اسم الفاعل، ولا يجوز أن ينتصب بالصيام المذكور في الآية ; لأنه مصدر، وقد فرق بينه وبين أيام بقوله: «كما كتب» ويعمل فيه المصدر كالصلة ولا يفرق بين الصلة والموصول بأجنبي، وإن جعلت صفة الصيام لم يجز أيضا ; لأن المصدر إذا وصف لا يعمل.
والوجه أن يكون العامل في أيام محذوفا تقديره: صوموا أياما فعلى هذا يكون أياما ظرفا ; لأن الظرف يعمل فيه المعنى، ويجوز أن ينتصب أياما بكتب ; لأن الصيام مرفوع به، وكما إما مصدر لكتب، أو نعت للصيام وكلاهما لا يمنع عمل الفعل، وعلى هذا يجوز أن يكون ظرفا ومفعولا به على السعة.
قوله تعالى: (أو على سفر) : في موضع نصب معطوفا على خبر كان تقديره أو كان
قال تعالى: (بلى من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون (81))
ج ١ · ص ١٤٩
مسافرا ; وإنما دخلت على هاهنا ; لأن المسافر عازم على إتمام سفره، فينبغي أن يكون التقدير أو كان عازما على إتمام سفر، وسفر هنا نكرة يراد به سفر معين وهو السفر إلى المسافة المقدرة في الشرع. (فعدة) : مبتدأ والخبر محذوف ; أي فعليه عدة، وفيه حذف مضاف ; أي صوم عدة، ولو قرئ بالنصب لكان مستقيما، ويكون التقدير فليصم عدة.
وفي الكلام حذف تقديره: فأفطر فعليه. و (من أيام) : نعت لعدة و (أخر) : لا ينصرف للوصف والعدل عن الألف واللام ; لأن الأصل في فعلى صفة أن تستعمل في الجمع بالألف واللام، كالكبرى والكبر، والصغرى والصغر. (يطيقونه) : الجمهور على القراءة بالياء.
وقرئ: «يطوقونه» بواو مشددة مفتوحة، وهو من الطوق الذي هو قدر الوسع، والمعنى يكلفونه. (فدية) : يقرأ بالتنوين و «طعام» بالرفع بدلا منها، أو على إضمار مبتدأ ; أي هي طعام. و (مسكين) : بالإفراد، والمعنى أن ما يلزم بإفطار كل يوم إطعام مسكين واحد.
ويقرأ بغير تنوين. وطعام بالجر، ومساكين بالجمع، وإضافة الفدية إلى الطعام، إضافة الشيء إلى جنسه ; كقولك خاتم فضة ; لأن طعام المسكين يكون فدية وغير فدية، وإنما جمع المساكين ; لأنه جمع في قوله: «وعلى الذين يطيقونه» فقابل الجمع بالجمع، ولم يجمع فدية ; لأمرين: