البقرة
ج ١ · ص ٢١
وقرأ الأكثرون على لفظ الاستفهام، ثم اختلفوا في كيفية النطق به، فحقق قوم الهمزتين، ولم يفصلوا بينهما، وهذا هو الأصل، إلا أن الجمع بين الهمزتين مستثقل ; لأن الهمزة نبرة تخرج من الصدر بكلفة، فالنطق بها يشبه التهوع، فإذا اجتمعت همزتان كان أثقل على المتكلم، فمن هنا لا يحققهما أكثر العرب.
ومنهم من يحقق الأولى، ويجعل الثانية بين بين ; أي بين الهمزة والألف وهذه في الحقيقة همزة مليئة، وليست ألفا، ومنهم من يجعل الثاني ألفا صحيحا، كما فعل ذلك في آدم وآمن، ومنهم من يلين الثاني، ويفصل بينها وبين الأولى بالألف، ومنهم من يحقق الهمزتين، ويفصل بينهما بألف.
ومن العرب من يبدل الأولى هاء، ويحقق الثانية، ومنهم من يلين الثانية مع ذلك، ولا يجوز أن يحقق الأولى، ويجعل الثانية ألفا صحيحا، ويفصل بينهما بألف ; لأن ذلك جمع بين ألفين، ودخلت همزة الاستفهام هنا للتسوية، وذلك شبيه بالاستفهام ; لأن المستفهم يستوي عنده الوجود والعدم ; فكذلك يفعل من يريد التسوية، ويقع ذلك بعد سواء كهذه الآية، وبعد ليت شعري، كقولك: ليت شعري أقام أم قعد، وبعد لا أبالي ولا أدري.
وأم هذه هي المعادلة لهمزة الاستفهام، ولم ترد المستقبل إلى معنى المضي حتى يحسن معه أمس، فإن دخلت عليها إن الشرطية عاد الفعل إلى أصله من الاستقبال.
قال تعالى: (ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين (2))
ج ١ · ص ٢٢
قوله تعالى: (وعلى سمعهم) السمع في الأصل مصدر سمع، وفي تقديره هنا وجهان: أحدهما: أنه استعمل مصدرا على أصله، وفي الكلام حذف تقديره: على مواضع سمعهم ; لأن نفس السمع لا يختم عليه.
والثاني: أن السمع هنا استعمل بمعنى السامعة، وهي الأذن، كما قالوا: الغيب بمعنى الغائب، والنجم الغائب والنجم بمعنى الناجم، واكتفى بالواحد هنا عن الجمع، كما قال الشاعر:
بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب
يريد جلودها.
قوله تعالى: (وعلى أبصارهم غشاوة) يقرأ بالرفع على أنه مبتدأ، وعلى أبصارهم خبره، وفي الجار على هذا ضمير.
وعلى قول الأخفش غشاوة مرفوع بالجار، كارتفاع الفاعل بالفعل، ولا ضمير في الجار على هذا لارتفاع الظاهرية، والوقف على هذه القراءة على: (وعلى سمعهم) .
ويقرأ بالنصب بفعل مضمر تقديره: وجعل على أبصارهم غشاوة ; ولا يجوز أن
ينتصب بختم ; لأنه لا يتعدى بنفسه. ويجوز كسر الغين وفتحها وفيها ثلاث لغات أخر، غشوة بغير ألف، بفتح الغين، وضمها، وكسرها.
قوله تعالى: (ولهم عذاب) مبتدأ وخبر، أو فاعل عمل فيه الجار على ما ذكرنا قبل وفي: (عظيم) ضمير يرجع على العذاب لأنه صفته.