فرع
ج ١ · ص ٢٩٦
فيشتغل بها عن سماع بقية الكلام.
وإذا جاء الاستثناء لم يبق له بعد ما تقدمه وقع
يزيل ما حصل عنده من ذكر الألف.
ذكره ابن فارس: وهو أن يكون كلام في سورة مقتنصا من كلام في سورة
أخرى أو تلك السورة، كقوله تعالى: (وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة
لمن الصالحين) .
والآخرة دار ثواب لا عمل فيها، فهذا مقتنص من قوله: (ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (75) .
ومنه: (ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين) .
مأخوذ من قوله: (فأولئك في العذاب محضرون) .
وقوله: (ويوم يقوم الأشهاد) .، - مقتنص من أربع آيات.
لأن الأشهاد أربعة: الملائكة في قوله: (وجاءت كل نفس معها سائق وشهيد (21) .، والأنبياء في قوله: (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا (41) .
وأمة محمد في قوله: (لتكونوا شهداء على الناس) .
والأعضاء في قوله: (يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم) .
وقوله: (ويوم التناد) .
قرىء مخففا ومشددا، فالأول مأخوذ من قوله: (ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار) .
والثاني من قوله: (يوم يفر المرء من أخيه (34) وأمه وأبيه (35) .
هو إقامة بعض الحروف مقام بعض، وجعل منه ابن فارس: (فانفلق) .
أي فانفرق، ولذا قال: (فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم (63) .
فالراء واللام يتعاقبان.
ج ١ · ص ٢٩٧
وعن الخليل - في قوله: (فجاسوا خلال الديار) .
أنه أريد فحاسوا، فقامت الجيم مقام الحاء، وقد قرىء بالحاء أيضا.
وجعل منه الفارسي: (إني أحببت حب الخير) ، أي الخيل.
وجعل منه أبو عبيدة: (إلا مكاء وتصدية) .، أي تصددة.
قال ابن أبي الإصبع: هو في غاية العزة في القرآن.
قال: ولم أجد منه إلا آية واحدة، وهي قوله: (قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله) .
فإن الاستثناء بعد الاستفهام الخارج مخرج التوبيخ على ما عابوا به المؤمنين من الإيمان - يوهم أن ما يأتي بعده مما يوجب أن ينقم على فاعله، مما يذم به، فلما أتى بعد الاستثناء ما يوجب مدح فاعله كان الكلام
متضمنا تأكيد المدح بما يشبه الذم.
قلت: ونظيرها قوله: (وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله) .
وقوله: (الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله) .
فإن ظاهر الاستثناء أن ما بعده حق يقتضي الإخراج.
فلما كان صفة مدح تقتضي الإكرام لا الإخراج كان تأكيدا للمدح بما يشبه
الذم.
وجعل منه التنوخي في الأقصى القريب: (لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (25) إلا قيلا سلاما سلاما (26) .
استثنى (سلاما سلاما) الذي هو ضد اللغو والتأثيم، فكان ذلك مؤكدا لانتفاء اللغو والتأثيم.