1559
حدثنا ابن أبي داود، قال: حدثنا سعيد بن أبي مريم، قال: حدثنا ابن لهيعة، قال: حدثنا أبو الأسود، عن عروة، عن جدامة ابنة وهب وهي أخت عكاشة بن وهب، أن عكاشة بن وهب صاحب النبي صلى الله عليه وسلم، وأخا لها آخر، جاءا لها حين غابت الشمس يوم النحر، فألقيا قميصيهما، فقالت: ما لكما؟ فقالا: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: " من لم يكن أفاض منكما فليلق ثيابه " وكانوا قد تطيبوا ولبسوا الثياب ولما اختلفوا في هذا الباب كما ذكرنا فيما اختلفوا فيه منه، فرأينا الرجل إذا أحرم بالحج حرم عليه بإحرامه أشياء، منها حلق رأسه، فلا يزال كذلك حتى يرمي جمرة العقبة
يوم النحر، فإذا رماها حل له أن يحلق فدل إباحة الحلق له أن
الحرمة التي كانت منعته من الحلق قد ذهبت قبل ذلك، وأنه حلق حين حلق وهو حلال كما قال ابن عباس، لا كما قال الآخرون، وهذا قول قد روي عن أبي يوسف، وإن كان المشهور عنه خلافه فإن قال قائل: لو كان كما ذكرت لكان لا معنى للحلق إذا كان الحاج قد صار حلالا، برميه جمرة العقبة وإن لم يحلق، إلا من النساء خاصة ولما كان للحلق الذي يفعله فضل على التقصير الذي يفعله مثله، كما لا يفضل الحلال إذا حلق غيره من المحلين إذا قصروا قيل له: بل للحلق في هذا أكثر معنى، وهو أفضل من التقصير للحاج بعد رميه جمرة العقبة، لأنهما سبب من أسباب النسك يفعلان بعد الخروج من الإحرام وزوال الحرمة وارتفاعها، لأنه قد رأينا بعض أسباب الحج يفعل بعد الخروج من الحج، والدخول في الإحلال، وهو طواف الصدر، يفعله الحاج بعد خروجه من إحرامه، لأنه شبيه لما كان فيه من إحرامه، وإن كان تركه كان عليه الدم في تركه، ولم يجعل في حكم الطواف الذي تركه الحلال عند خروجه من مكة، ولم يكن محرما قبل ذلك فثبت بما ذكرنا ما روينا عن ابن عباس في هذا المعنى ثم رجعنا إلى قول الذين قالوا: يحل له إذا رمى وحلق كل شيء إلا النساء والطيب، وإلى قول الذين قالوا: يحل له كل شيء إلا النساء خاصة، فوجدناهم لا يختلفون أنه بعد رميه وحلقه في بقية يوم النحر حلال له اللباس، وحرام عليه النساء،
وإنما يختلفون في حرمة الطيب، هل هي باقية عليه كما كانت أو مرتفعة عنه؟ فأردنا أن ننظر في حكم الطيب، هل يشبه حكم النساء فيقطعه عليه؟ أو يشبه حكم اللباس فيقطعه عليه؟ فوجدنا الحاج إذا جامع قبل وقوفه بعرفة كان عليه دم، وكان حجه فاسدا، وكان عليه قضاء الحج من قابل، وإذا لبس حينئذ كان عليه دم، ولم يكن حجه فاسدا، وإذا تطيب حينئذ كان عليه دم، ولم يكن حجه فاسدا، فثبت بذلك أن حكم الطيب بحكم اللباس فيما ذكرنا أشبه منه بحكم النساء، فثبت بذلك قول الذين قالوا: يحل له مع اللباس الطيب كما حل له اللباس
ثم رجعنا إلى قول الذين قالوا: إذا رمى الجمرة حل له كل شيء ما كان في يومه ذلك، فإذا مضى يومه ذلك، ولم يطف فيه بالبيت، عاد حراما كما كان قبل ذلك، فلم نجد لأهل هذا القول معنى من طريق القياس، فنذكره لهم، وإنما وجدنا لهم في ذلك حديثي أم سلمة، وأم قيس اللذين رويناهما عنهما، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذا الباب فكان حديث عائشة الذي رويناه عنها في هذا الباب، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من قوله: " إذا رميتم وحلقتم فقد حل لكم كل شيء إلا النساء "، فأطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك، ولم يستثن منه شيئا، أولى عندنا، فإن تكلم رجل في الحجاج بن أرطاة الذي دار عليه حديث عائشة هذا
، فلخصمه أن يتكلم أيضا في محمد بن إسحاق، وعبد الله بن لهيعة اللذين دار عليهما حديث أم سلمة، وأم قيس اللذين رويناهما في هذا الباب، والكلام في كل واحد منهما أكثر من الكلام في الحجاج بن أرطاة، لأن الحجاج إنما تكلم فيما أرسله، فأما ما قال فيه: سمعت، أو: أخبرني، أو: حدثني، فلم يتكلم في ذلك أحد، وكل واحد من محمد بن إسحاق، ومن عبد الله بن لهيعة فقد تكلم في كل حديثه