جرأة الولاة على مخالفة الشرع بسبب جهل بعض الفقهاء بالشرع
لنصوص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولإجماع الأمة.
وبمثل هذا الغلط الفاحش تجرأ الولاة على مخالفة الشرع، وتوهموا أن الشرع لا يقوم بسياسة العالم ومصلحة الأمة، وتعدوا حدود الله، وتولد من جهل الفريقين بحقيقة الشرع خروج عنه إلى أنواع من الظلم والبدع والسياسة ، جعلها هؤلاء من الشرع وهؤلاء قسيمة له ومقابلة له، وزعموا أن الشرع ناقص لا يقوم بمصالح الناس، وجعل أولئك ما فهموه من العموميات والإطلاقات هو الشرع، وإن تضمن خلاف ما تشهد به الشواهد والعلامات الصحيحة.
والطائفتان مخطئتان على الشرع أقبح خطأ وأفحشه، وإنما أتوا من تقصيرهم في معرفة الشرع الذي أنزل الله على رسوله، وشرعه بين عباده، كما تقدم بيانه ، فإنه أنزل الكتاب بالحق ليقوم الناس بالقسط ولم يسوغ تكذيب صادق ولا إبطال أمارة وعلامة شاهدة بالحق، بل أمر بالتثبت في خبر الفاسق، ولم يأمر برده مطلقا، حتى تقوم أمارة على صدقه فيقبل، أو كذبه فيرد، فحكمه دائر مع الحق، والحق دائر مع حكمه أين كان، ومع من كان، وبأي دليل صحيح كان، فتوسع كثير
هل الذي يضربه الوالي دون القاضي أو كلاهما أو لا يضرب؟
من هؤلاء في أمور ظنوها علامات وأمارات أثبتوا بها أحكاما، وقصر كثير من أولئك عن أدلة وعلامات ظاهرة ظنوها غير صالحة لإثبات الأحكام.
فصل
ويسوغ
ضرب هذا النوع من المتهمين
، كما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الزبير بتعذيب المتهم الذي غيب ماله حتى أقر به، في قصة ابن أبي الحقيق .
قال شيخنا : واختلفوا فيه: هل الذي يضربه الوالي دون القاضي، أو كلاهما، أو لا يسوغ ضربه؟ على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه يضربه الوالي والقاضي، هذا قول طائفة من أصحاب مالك وأحمد وغيرهم ، منهم أشهب بن عبد العزيز قاضي مصر، فإنه قال: يمتحن بالحبس والضرب، ويضرب بالسوط # مجردا.
والقول الثاني: أنه يضربه الوالي دون القاضي، وهذا قول بعض أصحاب الشافعي وأحمد، حكاه القاضيان .
ووجه هذا: أن الضرب المشروع هو ضرب الحدود والتعزيرات , وذلك إنما يكون بعد ثبوت أسبابها وتحققها .
والقول الثالث: أنه يحبس ولا يضرب، وهذا قول أصبغ وكثير من الطوائف الثلاثة ، بل قول أكثرهم، لكن حبس المتهم عندهم أبلغ من حبس المجهول.
ثم قالت طائفة منهم عمر بن عبد العزيز، ومطرف، وابن الماجشون: إنه يحبس حتى يموت .