الثانية: يد يعلم أنها محقة عادلة
، فلا تسمع الدعوى عليها، كمن تشاهد في يده دار يتصرف فيها بأنواع التصرف من عمارة وخراب وتغيير وإجارة وإعارة مدة طويلة من غير منازع ولا مطالب، مع عدم سطوته وشوكته، فجاء من ادعى أنه غصبها منه، واستولى عليها بغير حق - وهو يشاهده في هذه المدة الطويلة ويمكنه طلب خلاصها منه، ولا يفعل ذلك - فهذا مما يعلم فيه كذب المدعي، وأن يد المدعى عليه محقة.
هذا مذهب أهل المدينة مالك وأصحابه ، وهو الصواب .
قالوا : إذا رأينا رجلا حائزا لدار متصرفا فيها مدة سنين طويلة بالهدم والبناء، والإجارة والعمارة ، وهو ينسبها إلى نفسه، ويضيفها # إلى ملكه، وإنسان حاضر يراه، ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة، وهو مع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقا، ولا مانع يمنعه من مطالبته: من خوف سلطان، أو نحوه من الضرر المانع من المطالبة بالحقوق، وليس بينه وبين المتصرف في الدار قرابة، ولا شركة في ميراث وما أشبه ذلك، مما تتسامح به القرابات والصهر بينهم في إضافة أحدهم أموال الشركة إلى نفسه، بل كان عريا عن ذلك أجمع، ثم جاء بعد طول هذه المدة يدعيها لنفسه، ويريد أن يقيم بينة على ذلك ، فدعواه غير مسموعة أصلا، فضلا عن بينته ، وتبقى الدار بيد حائزها؛ لأن كل دعوى ينفيها العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة.
قال الله تعالى: {وأمر بالعرف} [الأعراف: 199]، وأوجبت الشريعة الرجوع إلى العرف عند الاختلاف في الدعاوى كالنقد وغيره ، فكذلك هذا في هذا الموضع، وليس ذلك خلاف العادات فإن الناس لا يسكتون على ما يجري هذا المجرى من غير عذر.
قالوا: وإذا اعتبرنا طول المدة فقد حدها ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ بعشر سنين .