تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

مناقشة أدلة المانعين — الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

من الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٢٩٣ من ٥٥٣.

مناقشة أدلة المانعين

وإما تخييرا ، والحكم إما بالإقرار وإما بالبينة، ومعلوم أنه مع الإقرار لا يرتفعون إلينا، ولا يحتاجون إلى الحكم غالبا، وإنما يحتاجون إلى الحكم عند التجاحد وإقامة البينة، وهم في الغالب لا تحضرهم البينة من المسلمين، ومعلوم أن الحكم بينهم مقصوده العدل، وإيصال كل ذي حق منهم إلى حقه، فإذا غلب على الظن صدق مدعيهم بما يحضره من الشهود الذين يرتضونهم فيما بينهم، ولا سيما إذا كثروا ، فالحكم بشهادتهم أقوى من الحكم بمجرد نكول ناكلهم أو يمينه، وهذا ظاهر جدا.

قالوا : وأما قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 2] وقوله: {ممن ترضون من الشهداء} [البقرة: 282] وقوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282]، فهذا إنما هو في الحكم بين المسلمين، فإن السياق كله في ذلك، فإن الله - سبحانه وتعالى - قال:

{واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم} [النساء: 15]، وقال: {ياأيها النبي إذا طلقتم النساء} إلى قوله تعالى: {وأشهدوا ذوي عدل منكم} [الطلاق: 1 - 2]، وكذلك قال في آية المداينة: {ياأيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين} إلى قوله: {واستشهدوا شهيدين من رجالكم} [البقرة: 282]، فلا تعرض في شيء من ذلك لحكم أهل الكتاب ألبتة.

وأما قوله تعالى: {وألقينا بينهم العداوة والبغضاء إلى يوم القيامة} [المائدة: 64] فهذا إما أن يراد به العداوة التي بين اليهود والنصارى، أو يراد به العداوة التي بين فرقهم وإن كانوا ملة واحدة ، وهذا لا يمنع قبول شهادة بعضهم على بعض، فإنها عداوة دينية، فهي كالعداوة التي بين فرق هذه الأمة، وإلباسهم شيعا، وإذاقة بعضهم بأس بعض.

واحتج الشافعي بأن من كذب على الله فهو إلى أن يكذب على مثله أقرب، فيقال: وجميع أهل البدع قد كذبوا على الله ورسوله، # والخوارج من أصدق الناس لهجة، وقد كذبوا على الله ورسوله، وكذلك القدرية والمعتزلة، وهم يظنون أنهم صادقون غير كاذبين، فهم متدينون بهذا الكذب، ويظنونه من أصدق الصدق.

واحتج المانعون أيضا بأن في قبول شهادتهم إكراما لهم، ورفعا لمنزلتهم وقدرهم، ورذيلة الكفر تنفي ذلك.

قال الآخرون: رذيلة الكفر لم تمنع قبول قولهم على المسلمين للحاجة بنص القرآن ، ولم تمنع ولاية بعضهم على بعض، وعرافة بعضهم على بعض، وكون بعضهم حاكما وقاضيا عليهم، فلا نمنع أن يكون بعضهم شاهدا على بعض، وليس في هذا تكريم لهم، ولا رفع لأقدارهم، وإنما هو دفع شر بعضهم عن بعض، وإيصال حقوق أهل الحقوق منهم بقول من يرضونه ، وهذا من تمام مصالحهم التي لا غنى لهم عنها.

ومما يوضح ذلك، أنهم إذا رضوا بأن نحكم بينهم، ورضوا بقبول

ت. نايف بن أحمد الحمد — دار عالم الفوائد، مكة