تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

علة النهي عن بيع الحاضر للبادي — الطرق الحكمية في السياسة الشرعية

من الطرق الحكمية في السياسة الشرعية لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٤٤٦ من ٥٥٣.

علة النهي عن بيع الحاضر للبادي

فامتنع، لم يذكر أنه كان هناك من عنده طعام امتنع من بيعه، بل عامة من كان يبيع الطعام إنما هم جالبون يبيعونه إذا هبطوا السوق، ولكن "نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يبيع حاضر لباد" أي أن يكون له سمسارا، وقال: "دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض" ، فنهى الحاضر العالم بالسعر أن يتوكل للبادي الجالب للسلعة؛ لأنه إذا توكل له - مع خبرته بحاجة الناس - أغلى الثمن على المشتري، فنهاه عن التوكل له، مع أن جنس الوكالة مباح، لما في ذلك من زيادة السعر على الناس، ونهى عن تلقي الجلب، وجعل للبائع إذا هبط السوق الخيار.

ولهذا كان أكثر الفقهاء على أنه نهى عن ذلك لما فيه من ضرر البائع هنا ، فإذا لم يكن قد عرف السعر، وتلقاه المتلقي قبل إتيانه إلى السوق، اشتراه المشتري بدون ثمن المثل فغبنه، فأثبت النبي - صلى الله عليه وسلم - لهذا البائع الخيار.

ثم فيه عن أحمد روايتان كما تقدم، إحداهما: أن الخيار يثبت له مطلقا، سواء غبن أم لم يغبن، وهو ظاهر مذهب الشافعي .

مراعاة الشرع للمصلحة العامة

والثانية: أنه إنما يثبت له عند الغبن، وهي ظاهر المذهب .

وقالت طائفة : بل نهى عن ذلك لما فيه من ضرر المشتري إذا تلقاه المتلقي، فاشترى منه، ثم باعه .

وفي الجملة، فقد نهى النبي - صلى الله عليه وسلم - عن البيع والشراء الذي جنسه حلال، حتى يعلم البائع بالسعر، وهو ثمن المثل، ويعلم المشتري بالسلعة.

وصاحب القياس الفاسد يقول: للمشتري أن يشتري حيث شاء، وقد اشترى من البائع، كما يقول: فله أن يتوكل للبائع الحاضر وغير الحاضر. ولكن الشارع راعى المصلحة العامة، فإن الجالب إذا لم يعرف السعر كان جاهلا بثمن المثل، فيكون المشتري غارا له.

وألحق مالك وأحمد - رضي الله عنهما - بذلك كل مسترسل، فإنه بمنزلة الجالب الجاهل بالسعر.

فتبين أنه يجب على الإنسان ألا يبيع مثل هؤلاء إلا بالسعر المعروف، وهو ثمن المثل، وإن لم يكونوا محتاجين إلى الابتياع منه،

ت. نايف بن أحمد الحمد — دار عالم الفوائد، مكة