تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل في كتبه ورسله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٠٣ من ٢٬٦٢٨.

[فصل في كتبه ورسله صلى الله عليه وسلم إلى الملوك]

ج ١ · ص ١٣٦

عليهم الطيالسة فقال ما أشبههم بيهود خيبر. ومن هاهنا كره لبسها جماعة من السلف والخلف؛ لما روى أبو داود والحاكم في المستدرك عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «من تشبه بقوم فهو منهم» )

وفي الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم: ( «ليس منا من تشبه بقوم غيرنا» ) وأما ما جاء في حديث الهجرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم جاء إلى أبي بكر متقنعا بالهاجرة» ، فإنما فعله النبي صلى الله عليه وسلم تلك الساعة ليختفي بذلك، ففعله للحاجة، ولم تكن عادته التقنع، وقد ذكر أنس عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان يكثر القناع، وهذا إنما كان يفعله - والله أعلم - للحاجة من الحر ونحوه، وأيضا ليس التقنع من التطيلس.

فصل

وكان غالب ما يلبس هو وأصحابه ما نسج من القطن، وربما لبسوا ما نسج من الصوف والكتان، وذكر الشيخ أبو إسحاق الأصبهاني بإسناد صحيح، عن جابر بن أيوب، قال: «دخل الصلت بن راشد على محمد بن سيرين، وعليه جبة صوف وإزار صوف وعمامة صوف، فاشمأز منه محمد، وقال أظن أن أقواما يلبسون الصوف ويقولون: قد لبسه عيسى ابن مريم، وقد حدثني من لا أتهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قد لبس الكتان، والصوف، والقطن، وسنة نبينا أحق أن تتبع» .

ومقصود ابن سيرين بهذا؛ أن أقواما يرون أن لبس الصوف دائما أفضل من غيره فيتحرونه

ج ١ · ص ١٣٧

ويمنعون أنفسهم من غيره، وكذلك يتحرون زيا واحدا من الملابس، ويتحرون رسوما وأوضاعا وهيئات يرون الخروج عنها منكرا، وليس المنكر إلا التقيد بها والمحافظة عليها وترك الخروج عنها.

والصواب: أن أفضل الطرق طريق رسول الله صلى الله عليه وسلم التي سنها وأمر بها ورغب فيها وداوم عليها، وهي أن هديه في اللباس أن يلبس ما تيسر من اللباس من الصوف تارة والقطن تارة والكتان تارة.

ولبس البرود اليمانية والبرد الأخضر، ولبس الجبة والقباء والقميص والسراويل والإزار والرداء والخف والنعل، وأرخى الذؤابة من خلفه تارة وتركها تارة.

وكان يتلحى بالعمامة تحت الحنك.

وكان إذا استجد ثوبا سماه باسمه، وقال: ( «اللهم أنت كسوتني هذا القميص أو الرداء أو العمامة، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له» ) .

وكان إذا لبس قميصه بدأ بميامنه. ولبس الشعر الأسود، كما روى مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: ( «خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه مرط مرحل من شعر

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م