[الرسول مرسل إلى نفسه وأمته]
ج ٣ · ص ١٢٧
رد النساء ونهاهم عن ردهن، وأمرهم برد مهورهن، وأن يردوا منها على من ارتدت امرأته إليهم من المسلمين المهر الذي أعطاها، ثم أخبر أن ذلك حكمه الذي يحكم به بين عباده، وأنه صادر عن علمه وحكمته، ولم يأت عنه ما ينافي هذا الحكم، ويكون بعده حتى يكون ناسخا.
ولما صالحهم على رد الرجال، كان يمكنهم أن يأخذوا من أتى إليه منهم، ولا يكرهه على العود، ولا يأمره به، وكان إذا قتل منهم، أو أخذ مالا، وقد فصل عن يده، ولما يلحق بهم، لم ينكر عليه ذلك، ولم يضمنه لهم، لأنه ليس تحت قهره، ولا في قبضته، ولا أمره بذلك، ولم يقتض عقد الصلح الأمان على النفوس والأموال إلا عمن هو تحت قهره، وفي قبضته، كما ( «ضمن لبني جذيمة ما أتلفه عليهم خالد من نفوسهم وأموالهم» ) وأنكره، وتبرأ منه.
ولما كان إصابته لهم عن نوع شبهة، إذ لم يقولوا: أسلمنا، وإنما قالوا: صبأنا، فلم يكن إسلاما صريحا، ضمنهم بنصف دياتهم لأجل التأويل والشبهة، وأجراهم في ذلك مجرى
ج ٣ · ص ١٢٨
أهل الكتاب الذين قد عصموا نفوسهم وأموالهم بعقد الذمة ولم يدخلوا في الإسلام، ولم يقتض عهد الصلح أن ينصرهم على من حاربهم ممن ليس في قبضة النبي صلى الله عليه وسلم وتحت قهره، فكان في هذا دليل على أن المعاهدين إذا غزاهم قوم ليسوا تحت قهر الإمام وفي يده، وإن كانوا من المسلمين أنه لا يجب على الإمام ردهم عنهم، ولا منعهم من ذلك، ولا ضمان ما أتلفوه عليهم.
وأخذ الأحكام المتعلقة بالحرب، ومصالح الإسلام وأهله وأمره وأمور السياسات الشرعية من سيره ومغازيه أولى من أخذها من آراء الرجال، فهذا لون، وتلك لون، وبالله التوفيق.
فصل
وكذلك صالح أهل خيبر لما ظهر عليهم على أن يجليهم منها، ولهم ما حملت ركابهم، ول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصفراء والبيضاء، والحلقة، وهي السلاح.
واشترط في عقد الصلح ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا، فلا ذمة لهم، ولا عهد، فغيبوا مسكا فيه مال وحلي لحيي بن أخطب كان احتمله معه إلى خيبر حين أجليت النضير، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعم حيي بن أخطب، واسمه سعية: ( «ما فعل مسك حيي الذي جاء به من النضير؟ فقال: أذهبته النفقات والحروب، فقال: العهد قريب، والمال أكثر من ذلك» ) وقد كان حيي قتل مع بني قريظة لما دخل معهم، فدفع رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه إلى الزبير ليستقره، فمسه بعذاب، فقال: قد