تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل في تحريق متاع الغال وضربه] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٬٢٩٥ من ٢٬٦٢٨.

[فصل في تحريق متاع الغال وضربه]

ج ٣ · ص ٣٨٨

ومنها: قوله ( «فلا يحل لأحد أن يسفك بها دما» ) هذا التحريم لسفك الدم المختص بها، وهو الذي يباح في غيرها، ويحرم فيها لكونها حرما، كما أن تحريم عضد الشجر بها، واختلاء خلائها، والتقاط لقطتها، هو أمر مختص بها، وهو مباح في غيرها، إذ الجميع في كلام واحد، ونظام واحد، وإلا بطلت فائدة التخصيص، وهذا أنواع:

أحدها_ وهو الذي ساقه أبو شريح العدوي لأجله -: أن الطائفة الممتنعة بها من مبايعة الإمام لا تقاتل، لا سيما إن كان لها تأويل، كما امتنع أهل مكة من مبايعة يزيد، وبايعوا ابن الزبير، فلم يكن قتالهم ونصب المنجنيق عليهما، وإحلال حرم الله جائزا بالنص والإجماع، وإنما خالف في ذلك عمرو بن سعيد الفاسق وشيعته، وعارض نص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برأيه وهواه، فقال: إن الحرم لا يعيذ عاصيا، فيقال له: هو لا يعيذ عاصيا من عذاب الله ولو لم يعذه من سفك دمه لم يكن حرما بالنسبة إلى الآدميين، وكان حرما بالنسبة إلى الطير والحيوان البهيم، وهو لم يزل يعيذ العصاة من عهد إبراهيم صلوات الله عليه وسلامه، وقام الإسلام على ذلك، وإنما لم يعذ مقيس بن صبابة، وابن خطل، ومن سمي معهما، لأنه في تلك الساعة لم يكن حرما، بل حلا، فلما انقضت ساعة الحرب عاد إلى ما وضع عليه يوم خلق الله السماوات والأرض. وكانت العرب في

ج ٣ · ص ٣٨٩

جاهليتها يرى الرجل قاتل أبيه، أو ابنه في الحرم، فلا يهيجه، وكان ذلك بينهم خاصية الحرم التي صار بها حرما، ثم جاء الإسلام، فأكد ذلك وقواه، وعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن من الأمة من يتأسى به في إحلاله بالقتال والقتل، فقطع الإلحاق، وقال لأصحابه: ( «فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقولوا: " إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لك» ) وعلى هذا فمن أتى حدا أو قصاصا خارج الحرم يوجب القتل، ثم لجأ إليه، لم يجز إقامته عليه فيه. وذكر الإمام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (لو وجدت فيه قاتل الخطاب ما مسسته حتى يخرج منه) .

وذكر عن عبد الله بن عمر أنه قال: (لو لقيت فيه قاتل عمر ما ندهته) وعن ابن عباس، أنه قال: (لو لقيت قاتل أبي في الحرم ما هجته حتى يخرج منه) وهذا قول جمهور التابعين ومن بعدهم، بل لا يحفظ عن تابعي ولا صحابي خلافه، وإليه ذهب أبو حنيفة ومن وافقه من أهل العراق، والإمام أحمد ومن وافقه من أهل الحديث.

وذهب مالك والشافعي إلى أنه يستوفى منه في الحرم، كما يستوفى منه في الحل، وهو اختيار ابن المنذر، واحتج لهذا القول بعموم النصوص الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل مكان وزمان، ( «وبأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قتل ابن خطل، وهو متعلق بأستار الكعبة» ) .

وبما يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( «إن الحرم لا يعيذ عاصيا ولا فارا بدم ولا بخربة» ) وبأنه لو كان الحدود والقصاص فيما دون النفس، لم يعذه الحرم، ولم يمنعه من إقامته عليه، وبأنه لو أتى فيه بما يوجب حدا أو قصاصا، لم يعذه الحرم، ولم يمنع من إقامته عليه، فكذلك إذا أتاه خارجه، ثم لجأ إليه، إذ كونه حرما بالنسبة إلى عصمته، لا يختلف بين الأمرين

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م