[الاختيار دال على ربوبيته سبحانه]
ج ١ · ص ٤٦
(الجنة) » ، ولم يزد على ذلك. فإما أن يقال: هذا أصح، وإما أن يقال: إن النبي صلى الله عليه وسلم طمع أن تكون أمته شطر أهل الجنة، فأعلمه ربه فقال: ( «إنهم ثمانون صفا من مائة وعشرين صفا» ) ، فلا تنافي بين الحديثين، والله أعلم.
ومن تفضيل الله لأمته واختياره لها أنه وهبها من العلم والحلم ما لم يهبه لأمة سواها، وفي " مسند البزار " وغيره من حديث أبي الدرداء قال: سمعت أبا القاسم صلى الله عليه وسلم يقول: ( «إن الله تعالى قال لعيسى ابن مريم: إني باعث من بعدك أمة إن أصابهم ما يحبون حمدوا وشكروا، وإن أصابهم ما يكرهون احتسبوا وصبروا، ولا حلم ولا علم، قال: يا رب، كيف هذا ولا حلم ولا علم؟ قال: أعطيهم من حلمي وعلمي» ) .
ومن هذا اختياره سبحانه وتعالى من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها، وهي البلد الحرام، فإنه سبحانه وتعالى اختاره لنبيه صلى الله عليه وسلم، وجعله مناسك لعباده، وأوجب عليهم الإتيان إليه من القرب والبعد من كل فج عميق، فلا يدخلونه إلا متواضعين متخشعين متذللين كاشفي رءوسهم متجردين عن لباس أهل الدنيا، وجعله حرما آمنا لا يسفك فيه دم، ولا تعضد به شجرة،
ج ١ · ص ٤٧
ولا ينفر له صيد، ولا يختلى خلاه، ولا تلتقط لقطته للتمليك بل للتعريف ليس إلا، وجعل قصده مكفرا لما سلف من الذنوب، ماحيا للأوزار، حاطا للخطايا، كما في " الصحيحين " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» ) ، ولم يرض لقاصده من الثواب دون الجنة، ففي " السنن " من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة» ) . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» ) ، فلو لم يكن البلد الأمين خير بلاده، وأحبها إليه، ومختاره من البلاد؛ لما جعل عرصاتها مناسك لعباده فرض عليهم قصدها، وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام، وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه فقال تعالى: {وهذا البلد الأمين} [التين: 3] [التين: 3] ، وقال تعالى: (لا أقسم)