[الاختيار دال على ربوبيته سبحانه]
ج ١ · ص ٤٧
ولا ينفر له صيد، ولا يختلى خلاه، ولا تلتقط لقطته للتمليك بل للتعريف ليس إلا، وجعل قصده مكفرا لما سلف من الذنوب، ماحيا للأوزار، حاطا للخطايا، كما في " الصحيحين " عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه» ) ، ولم يرض لقاصده من الثواب دون الجنة، ففي " السنن " من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( «تابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة» ) . وفي " الصحيحين " عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( «العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة» ) ، فلو لم يكن البلد الأمين خير بلاده، وأحبها إليه، ومختاره من البلاد؛ لما جعل عرصاتها مناسك لعباده فرض عليهم قصدها، وجعل ذلك من آكد فروض الإسلام، وأقسم به في كتابه العزيز في موضعين منه فقال تعالى: {وهذا البلد الأمين} [التين: 3] [التين: 3] ، وقال تعالى: (لا أقسم)
[اختياره سبحانه وتعالى من الأماكن والبلاد خيرها وأشرفها]
ج ١ · ص ٤٨
(بهذا البلد) [البلد: 1] ، وليس على وجه الأرض بقعة يجب على كل قادر السعي إليها والطواف بالبيت الذي فيها غيرها، وليس على وجه الأرض موضع يشرع تقبيله واستلامه، وتحط الخطايا والأوزار فيه غير الحجر الأسود، والركن اليماني. وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة، ففي " سنن النسائي " و" المسند " بإسناد صحيح عن عبد الله بن الزبير، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من صلاة في مسجدي هذا بمائة صلاة» ) ورواه ابن حبان في " صحيحه " وهذا صريح في أن المسجد الحرام أفضل بقاع الأرض على الإطلاق، ولذلك كان شد الرحال إليه فرضا، ولغيره مما يستحب ولا يجب، وفي " المسند " والترمذي والنسائي عن عبد الله بن عدي بن الحمراء، أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو واقف على راحلته بالحزورة من مكة يقول: ( «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت» ) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.