[فصل في هديه في النكاح ومعاشرته صلى الله عليه وسلم أهله]
ج ١ · ص ١٧٥
يرى ما يسره أو يباشره. والثالث: ضحك الغضب، وهو كثيرا ما يعتري الغضبان إذا اشتد غضبه، وسببه تعجب الغضبان مما أورد عليه الغضب، وشعور نفسه بالقدرة على خصمه، وأنه في قبضته، وقد يكون ضحكه لملكه نفسه عند الغضب، وإعراضه عمن أغضبه، وعدم اكتراثه به.
وأما بكاؤه صلى الله عليه وسلم فكان من جنس ضحكه لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن كانت تدمع عيناه حتى تهملا، ويسمع لصدره أزيز. وكان بكاؤه تارة رحمة للميت، وتارة خوفا على أمته وشفقة عليها، وتارة من خشية الله، وتارة عند سماع القرآن وهو بكاء اشتياق ومحبة وإجلال مصاحب للخوف والخشية. ولما مات ابنه إبراهيم دمعت عيناه وبكى رحمة له وقال: ( «تدمع العين ويحزن القلب، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون» ) ، وبكى لما شاهد إحدى بناته ونفسها تفيض، (وبكى لما قرأ عليه ابن مسعود سورة النساء وانتهى فيها إلى قوله تعالى: {فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيدا} [النساء: 41] [النساء: 41] ، وبكى لما مات عثمان بن مظعون، وبكى لما كسفت الشمس وصلى صلاة الكسوف وجعل يبكي في صلاته، وجعل ينفخ ويقول: ( «رب ألم تعدني ألا تعذبهم وأنا فيهم
ج ١ · ص ١٧٦
وهم يستغفرون ونحن نستغفرك» ) وبكى لما جلس على قبر إحدى بناته، وكان يبكي أحيانا في صلاة الليل.
والبكاء أنواع.
أحدها: بكاء الرحمة والرقة.
والثاني: بكاء الخوف والخشية.
والثالث: بكاء المحبة والشوق.
والرابع: بكاء الفرح والسرور.
والخامس: بكاء الجزع من ورود المؤلم وعدم احتماله.
والسادس: بكاء الحزن.
والفرق بينه وبين بكاء الخوف، أن بكاء الحزن يكون على ما مضى من حصول مكروه أو فوات محبوب، وبكاء الخوف يكون لما يتوقع في المستقبل من ذلك، والفرق بين بكاء السرور والفرح وبكاء الحزن، أن دمعة السرور باردة والقلب فرحان، ودمعة الحزن حارة والقلب حزين، ولهذا يقال لما يفرح به: هو قرة عين، وأقر الله به عينه، ولما يحزن: هو سخينة العين، وأسخن الله عينه به.
والسابع: بكاء الخور والضعف.