[جواز القتال في الأشهر الحرم]
ج ٤ · ص ٥٦
وأصح ما يعارض به حديث حجامته وهو صائم؛ ولكن لا يدل على عدم الفطر إلا بعد أربعة أمور. أحدها: أن الصوم كان فرضا. الثاني: أنه كان مقيما. الثالث: أنه لم يكن به مرض احتاج معه إلى الحجامة. الرابع: أن هذا الحديث متأخر عن قوله: ( «أفطر الحاجم والمحجوم» ) .
فإذا ثبتت هذه المقدمات الأربع، أمكن الاستدلال بفعله صلى الله عليه وسلم على بقاء الصوم مع الحجامة، وإلا فما المانع أن يكون الصوم نفلا يجوز الخروج منه بالحجامة وغيرها، أو من رمضان لكنه في السفر، أو من رمضان في الحضر، لكن دعت الحاجة إليها كما تدعو حاجة من به مرض إلى الفطر، أو يكون فرضا من رمضان في الحضر من غير حاجة إليها، لكنه مبقى على الأصل. وقوله: ( «أفطر الحاجم والمحجوم» ) ناقل ومتأخر، فيتعين المصير إليه، ولا سبيل إلى إثبات واحدة من هذه المقدمات الأربع، فكيف بإثباتها كلها.
وفيها دليل على استئجار الطبيب وغيره من غير عقد إجارة، بل يعطيه أجرة المثل أو ما يرضيه.
وفيها دليل على جواز التكسب بصناعة الحجامة، وإن كان لا يطيب للحر
ج ٤ · ص ٥٧
أكل أجرته من غير تحريم عليه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أعطاه أجره ولم يمنعه من أكله وتسميته إياه خبيثا كتسميته للثوم والبصل خبيثين، ولم يلزم من ذلك تحريمهما.
وفيها دليل على جواز ضرب الرجل الخراج على عبده كل يوم شيئا معلوما بقدر طاقته، وأن للعبد أن يتصرف فيما زاد على خراجه، ولو منع من التصرف لكان كسبه كله خراجا ولم يكن لتقديره فائدة، بل ما زاد على خراجه فهو تمليك من سيده له يتصرف فيه كما أراد، والله أعلم.
فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في قطع العروق والكي
ثبت في " الصحيح " من حديث جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «بعث إلى أبي بن كعب طبيبا، فقطع له عرقا وكواه عليه» ) .
( «ولما رمي سعد بن معاذ في أكحله حسمه النبي صلى الله عليه وسلم ثم ورمت، فحسمه الثانية» ) . والحسم هو الكي.
وفي طريق آخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم ( «كوى سعد بن معاذ في أكحله بمشقص، ثم حسمه سعد بن معاذ أو غيره من أصحابه» ) .
وفي لفظ آخر: ( «أن رجلا من الأنصار رمي في أكحله بمشقص، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم به فكوي» ) .
وقال أبو عبيد: وقد «أتي النبي صلى الله عليه وسلم برجل نعت له الكي فقال: (اكووه وارضفوه) » ، قال أبو عبيد: الرضف: الحجارة تسخن ثم يكمد بها.