تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل في سرية عبد الله بن حذافة السهمي] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٬٦٠٤ من ٢٬٦٢٨.

[فصل في سرية عبد الله بن حذافة السهمي]

ج ٤ · ص ٩٢

الأدوية والأشفية، وأنفعها للقلوب والأبدان، والمعاش والمعاد والدنيا والآخرة، وهو القرآن الذي هو شفاء من كل داء، كيف لا ينفع القلوب التي لا تعتقد فيه الشفاء والنفع، بل لا يزيدها إلا مرضا إلى مرضها، وليس لشفاء القلوب دواء قط أنفع من القرآن، فإنه شفاؤها التام الكامل الذي لا يغادر فيها سقما إلا أبرأه، ويحفظ عليها صحتها المطلقة، ويحميها الحمية التامة من كل مؤذ ومضر، ومع هذا فإعراض أكثر القلوب عنه، وعدم اعتقادها الجازم الذي لا ريب فيه أنه كذلك، وعدم استعماله والعدول عنه إلى الأدوية التي ركبها بنو جنسها حال بينها وبين الشفاء به، وغلبت العوائد واشتد الإعراض وتمكنت العلل والأدواء المزمنة من القلوب، وتربى المرضى والأطباء على علاج بني جنسهم وما وضعه لهم شيوخهم، ومن يعظمونه ويحسنون به ظنونهم، فعظم المصاب، واستحكم الداء، وتركبت أمراض وعلل أعيا عليهم علاجها، وكلما عالجوها بتلك العلاجات الحادثة تفاقم أمرها، وقويت، ولسان الحال ينادي عليهم:

ومن العجائب والعجائب جمة ... قرب الشفاء وما إليه وصول

كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في دفع ضرر الأغذية والفاكهة وإصلاحها بما يدفع ضررها، ويقوي نفعها

ثبت في " الصحيحين " من حديث عبد الله بن جعفر، قال: ( «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأكل الرطب بالقثاء» ) .

والرطب: حار رطب في الثانية، يقوي المعدة الباردة، ويوافقها، ويزيد في

ج ٤ · ص ٩٣

الباه، ولكنه سريع التعفن، معطش معكر للدم، مصدع مولد للسدد، ووجع المثانة، ومضر بالأسنان، والقثاء بارد رطب في الثانية، مسكن للعطش، منعش للقوى بشمه لما فيه من العطرية، مطفئ لحرارة المعدة الملتهبة، وإذا جفف بزره، ودق واستحلب بالماء، وشرب، سكن العطش وأدر البول ونفع من وجع المثانة، وإذا دق ونخل ودلك به الأسنان، جلاها، وإذا دق ورقه وعمل منه ضماد مع الميبختج، نفع من عضة الكلب الكلب.

وبالجملة فهذا حار وهذا بارد، وفي كل منهما صلاح الآخر، وإزالة لأكثر ضرره، ومقاومة كل كيفية بضدها ودفع سورتها بالأخرى، وهذا أصل العلاج كله، وهو أصل في حفظ الصحة، بل علم الطب كله يستفاد من هذا.

وفي استعمال ذلك وأمثاله في الأغذية والأدوية إصلاح لها وتعديل، ودفع لما فيها من الكيفيات المضرة لما يقابلها، وفي ذلك عون على صحة البدن، وقوته وخصبه، قالت عائشة رضي الله عنها: سمنوني بكل شيء، فلم أسمن، فسمنوني بالقثاء والرطب، فسمنت.

وبالجملة: فدفع ضرر البارد بالحار، والحار بالبارد والرطب باليابس، واليابس بالرطب، وتعديل أحدهما بالآخر من أبلغ أنواع العلاجات، وحفظ الصحة، ونظير هذا ما تقدم من أمره بالسنا والسنوت، وهو العسل الذي فيه شيء من السمن يصلح به السنا، ويعدله، فصلوات الله وسلامه على من بعث بعمارة القلوب والأبدان، وبمصالح الدنيا والآخرة.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في الحمية

الدواء كله شيئان: حمية وحفظ صحة. فإذا وقع التخليط احتيج إلى

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م