تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

فصل في زواجه صلى الله عليه وسلم بميمونة وهو محرم — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٬٦٠٩ من ٢٬٦٢٨.

فصل في زواجه صلى الله عليه وسلم بميمونة وهو محرم

ج ٤ · ص ٩٧

إذا اشتهى مريض أحدكم شيئا فليطعمه» ) .

ففي هذا الحديث سر طبي لطيف، فإن المريض إذا تناول ما يشتهيه عن جوع صادق طبيعي، وكان فيه ضرر ما، كان أنفع وأقل ضررا مما لا يشتهيه، وإن كان نافعا في نفسه، فإن صدق شهوته ومحبة الطبيعة يدفع ضرره، وبغض الطبيعة وكراهتها للنافع قد يجلب لها منه ضررا.

وبالجملة: فاللذيذ المشتهى تقبل الطبيعة عليه بعناية فتهضمه على أحمد الوجوه، سيما عند انبعاث النفس إليه بصدق الشهوة، وصحة القوة، والله أعلم.

فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في علاج الرمد بالسكون، والدعة وترك الحركة، والحمية مما يهيج الرمد

وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم «حمى صهيبا من التمر، وأنكر عليه أكله، وهو أرمد» ، «وحمى عليا من الرطب» لما أصابه الرمد.

وذكر أبو نعيم في كتاب " الطب النبوي ": أنه صلى الله عليه وسلم ( «كان إذا رمدت عين امرأة من نسائه لم يأتها حتى تبرأ عينها» ) .

الرمد ورم حار يعرض في الطبقة الملتحمة من العين، وهو بياضها الظاهر، وسببه انصباب أحد الأخلاط الأربعة، أو ريح حارة تكثر كميتها في الرأس والبدن، فينبعث منها قسط إلى جوهر العين، أو ضربة تصيب العين فترسل الطبيعة إليها من الدم والروح مقدارا كثيرا تروم بذلك شفاءها مما عرض لها، ولأجل ذلك يرم العضو المضروب، والقياس يوجب ضده.

ج ٤ · ص ٩٨

واعلم أنه كما يرتفع من الأرض إلى الجو بخاران، أحدهما: حار يابس، والآخر حار رطب، فينعقدان سحابا متراكما، ويمنعان أبصارنا من إدراك السماء، فكذلك يرتفع من قعر المعدة إلى منتهاها مثل ذلك، فيمنعان النظر، ويتولد عنهما علل شتى، فإن قويت الطبيعة على ذلك ودفعته إلى الخياشيم، أحدث الزكام، وإن دفعته إلى اللهاة والمنخرين أحدث الخناق، وإن دفعته إلى الجنب، أحدث الشوصة، وإن دفعته إلى الصدر أحدث النزلة، وإن انحدر إلى القلب أحدث الخبطة، وإن دفعته إلى العين أحدث رمدا، وإن انحدر إلى الجوف أحدث السيلان، وإن دفعته إلى منازل الدماغ أحدث النسيان، وإن ترطبت أوعية الدماغ منه وامتلأت به عروقه أحدث النوم الشديد، ولذلك كان النوم رطبا، والسهر يابسا. وإن طلب البخار النفوذ من الرأس، فلم يقدر عليه أعقبه الصداع والسهر، وإن مال البخار إلى أحد شقي الرأس، أعقبه الشقيقة، وإن ملك قمة الرأس ووسط الهامة، أعقبه داء البيضة، وإن برد منه حجاب الدماغ، أو سخن أو ترطب وهاجت منه أرياح، أحدث العطاس، وإن أهاج الرطوبة البلغمية فيه حتى غلب الحار الغريزي، أحدث الإغماء والسكات، وإن أهاج المرة السوداء حتى أظلم هواء الدماغ، أحدث الوسواس، وإن فاض ذلك إلى مجاري العصب أحدث الصرع الطبيعي، وإن ترطبت مجامع عصب الرأس وفاض ذلك في مجاريه أعقبه الفالج، وإن كان البخار من مرة صفراء ملتهبة محمية للدماغ، أحدث البرسام، فإن شركه الصدر في ذلك كان سرساما، فافهم هذا الفصل.

والمقصود أن أخلاط البدن والرأس تكون متحركة هائجة في حال الرمد، والجماع مما يزيد حركتها وثورانها، فإنه حركة كلية للبدن والروح والطبيعة. فأما البدن فيسخن بالحركة لا محالة، والنفس تشتد حركتها طلبا للذة واستكمالها،

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م