تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

فصل في بيان أن مكة فتحت عنوة — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٬٦٩٠ من ٢٬٦٢٨.

فصل في بيان أن مكة فتحت عنوة

ج ٤ · ص ١٧٨

ذهبا أحمر، وإما أن يخرج خبثا كله كما قيل:

سبكناه ونحسبه لجينا ... فأبدى الكير عن خبث الحديد

فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا، فبين يديه الكير الأعظم، فإذا علم العبد أن إدخاله كير الدنيا، ومسبكها خير له من ذلك الكير والمسبك، وأنه لا بد من أحد الكيرين، فليعلم قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل.

ومن علاجها: أن يعلم أنه لولا محن الدنيا ومصائبها لأصاب العبد - من أدواء الكبر والعجب والفرعنة وقسوة القلب - ما هو سبب هلاكه عاجلا وآجلا فمن رحمة أرحم الراحمين أن يتفقده في الأحيان بأنواع من أدوية المصائب، تكون حمية له من هذه الأدواء، وحفظا لصحة عبوديته، واستفراغا للمواد الفاسدة الرديئة المهلكة منه، فسبحان من يرحم ببلائه، ويبتلي بنعمائه كما قيل:

قد ينعم بالبلوى وإن عظمت ... ويبتلي الله بعض القوم بالنعم

فلولا أنه - سبحانه - يداوي عباده بأدوية المحن، والابتلاء لطغوا، وبغوا وعتوا والله - سبحانه - إذا أراد بعبد خيرا سقاه دواء من الابتلاء، والامتحان على قدر حاله يستفرغ به من الأدواء، المهلكة حتى إذا هذبه ونقاه وصفاه أهله لأشرف مراتب الدنيا، وهي عبوديته وأرفع ثواب الآخرة، وهو رؤيته وقربه.

ومن علاجها: أن يعلم أن مرارة الدنيا هي بعينها حلاوة الآخرة، يقلبها الله سبحانه كذلك، وحلاوة الدنيا بعينها مرارة الآخرة، ولأن ينتقل من مرارة منقطعة إلى حلاوة دائمة، خير له من عكس ذلك، فإن خفي عليك هذا فانظر إلى قول الصادق المصدوق: ( «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» ) .

وفي هذا المقام تفاوتت عقول الخلائق، وظهرت حقائق الرجال فأكثرهم

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م