[فصل في هديه صلى الله عليه وسلم في كلامه وسكوته وضحكه وبكائه]
ج ١ · ص ٢١٤
الشديد، وكما أحدثوا غير ذلك مما يخالف هديه صلى الله عليه وسلم، وربي في ذلك من ربي حتى ظن أنه من السنة.
فصل
ثم كان يكبر ويخر ساجدا ولا يرفع يديه، وقد روي عنه أنه كان يرفعهما أيضا، وصححه بعض الحفاظ كأبي محمد بن حزم رحمه الله وهو وهم، فلا يصح ذلك عنه البتة، والذي غره أن الراوي غلط من قوله: ( «كان يكبر في كل خفض ورفع، إلى قوله: كان يرفع يديه عند كل خفض ورفع» ) وهو ثقة، ولم يفطن لسبب غلط الراوي ووهمه فصححه. والله أعلم.
(وكان صلى الله عليه وسلم يضع ركبتيه قبل يديه، ثم يديه بعدهما، ثم جبهته وأنفه) هذا هو الصحيح الذي رواه شريك، عن عاصم بن كليب، عن أبيه، عن وائل بن حجر: ( «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه» )
ج ١ · ص ٢١٥
ولم يرو في فعله ما يخالف ذلك.
وأما حديث أبي هريرة يرفعه ( «إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه» ) فالحديث - والله أعلم - قد وقع فيه وهم من بعض
ج ١ · ص ٢١٦
الرواة، فإن أوله يخالف آخره، فإنه إذا وضع يديه قبل ركبتيه فقد برك كما يبرك البعير، فإن البعير إنما يضع يديه أولا، ولما علم أصحاب هذا القول ذلك قالوا: ركبتا البعير في يديه، لا في رجليه، فهو إذا برك وضع ركبتيه أولا، فهذا هو المنهي عنه. وهو فاسد لوجوه.
أحدها: أن البعير إذا برك فإنه يضع يديه أولا وتبقى رجلاه قائمتين، فإذا نهض فإنه ينهض برجليه أولا وتبقى يداه على الأرض، وهذا هو الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم وفعل خلافه. وكان أول ما يقع منه على الأرض الأقرب منها فالأقرب، وأول ما يرتفع عن الأرض منها الأعلى فالأعلى.
وكان يضع ركبتيه أولا ثم يديه ثم جبهته. وإذا رفع رفع رأسه أولا ثم يديه ثم ركبتيه، وهذا عكس فعل البعير، وهو صلى الله عليه وسلم نهى في الصلاة عن التشبه بالحيوانات، فنهى عن بروك كبروك البعير، والتفات كالتفات الثعلب، وافتراش كافتراش السبع، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، ورفع الأيدي وقت