تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل في قدوم طارق بن عبد الله وقومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ١٬٩٦٧ من ٢٬٦٢٨.

[فصل في قدوم طارق بن عبد الله وقومه على رسول الله صلى الله عليه وسلم]

ج ٥ · ص ٧٨

وقد اختلف الناس في آية الزكاة وآية الخمس، فقال الشافعي: تجب قسمة الزكاة والخمس على الأصناف كلها، ويعطي من كل صنف من يطلق عليه اسم الجمع.

وقال مالك رحمه الله وأهل المدينة: بل يعطي في الأصناف المذكورة فيهما، ولا يعدوهم إلى غيرهم، ولا تجب قسمة الزكاة ولا الفيء في جميعهم.

وقال الإمام أحمد وأبو حنيفة: بقول مالك رحمهم الله في آية الزكاة، وبقول الشافعي رحمه الله في آية الخمس.

ومن تأمل النصوص وعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه، وجده يدل على قول أهل المدينة، فإن الله سبحانه جعل أهل الخمس هم أهل الفيء، وعينهم اهتماما بشأنهم وتقديما لهم، ولما كانت الغنائم خاصة بأهلها لا يشركهم فيها سواهم نص على خمسها لأهل الخمس، ولما كان الفيء لا يختص بأحد دون أحد جعل جملته لهم وللمهاجرين والأنصار وتابعيهم، فسوى بين الخمس وبين الفيء في المصرف، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف سهم الله وسهمه في مصالح الإسلام، وأربعة أخماس الخمس في أهلها مقدما للأهم فالأهم، والأحوج فالأحوج، فيزوج منه عزابهم، ويقضي منه ديونهم، ويعين ذا الحاجة منهم، ويعطي عزبهم حظا، ومتزوجهم حظين، ولم يكن هو ولا أحد من خلفائه يجمعون اليتامى والمساكين وأبناء السبيل وذوي القربى، ويقسمون أربعة أخماس الفيء بينهم على السوية ولا على التفضيل، كما لم يكونوا يفعلون ذلك في الزكاة، فهذا هديه وسيرته، وهو فصل الخطاب، ومحض الصواب.

ج ٥ · ص ٧٩

، وفي النبذ إلى من عاهده على سواء إذا خاف منه نقض العهد

ثبت عنه أنه قال لرسولي مسيلمة الكذاب لما قالا: نقول إنه رسول الله: ( «لولا أن الرسل لا تقتل لقتلتكما» ) .

وثبت عنه أنه (قال لأبي رافع، وقد أرسلته إليه قريش، فأراد المقام عنده، وأنه لا يرجع إليهم، فقال: «إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البرد، ولكن ارجع إلى قومك، فإن كان في نفسك الذي فيها الآن فارجع» ) .

وثبت عنه أنه ( «رد إليهم أبا جندل للعهد الذي كان بينه وبينهم أن يرد إليهم من جاءه منهم مسلما» ) ولم يرد النساء، وجاءت سبيعة الأسلمية مسلمة، فخرج زوجها في طلبها فأنزل الله عز وجل: {ياأيها الذين آمنوا إذا جاءكم المؤمنات مهاجرات فامتحنوهن الله أعلم بإيمانهن فإن علمتموهن مؤمنات فلا ترجعوهن إلى الكفار} [الممتحنة: 10] الآية [الممتحنة: 10] ، فاستحلفها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لم يخرجها إلا الرغبة في الإسلام، وأنها لم تخرج لحدث أحدثته في قومها، ولا بغضا لزوجها، فحلفت، فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم زوجها مهرها، ولم يردها عليه. فهذا حكمه الموافق لحكم الله، ولم يجئ شيء ينسخه البتة. ومن زعم أنه منسوخ، فليس

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م