تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل النهي عن الدخول إلى أرض الطاعون والخروج منها] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٢٬٠٧٢ من ٢٬٦٢٨.

[فصل النهي عن الدخول إلى أرض الطاعون والخروج منها]

ج ٥ · ص ١٨٣

وفي " الصحيح " عنه صلى الله عليه وسلم: ( «إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تكلم أو تعمل به» ) .

فتضمنت هذه السنن أن ما لم ينطق به اللسان من طلاق أو عتاق أو يمين أو نذر ونحو ذلك عفو غير لازم بالنية والقصد، وهذا قول الجمهور وفي المسألة قولان آخران:

أحدهما: التوقف فيها، قال عبد الرزاق عن معمر: سئل ابن سيرين عمن طلق في نفسه فقال أليس قد علم الله ما في نفسك؟ قال: بلى. قال: فلا أقول فيها شيئا.

والثاني: وقوعه إذا جزم عليه وهذا رواية أشهب عن مالك، وروي عن الزهري وحجة هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم: ( «إنما الأعمال بالنيات» ) وأن من كفر في نفسه، فهو كفر، وقوله تعالى: {وإن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله} [البقرة: 284] [البقرة: 248] وأن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ وإن لم يفعلها

ج ٥ · ص ١٨٤

وبأن أعمال القلوب في الثواب والعقاب كأعمال الجوارح ولهذا يثاب على الحب والبغض والموالاة والمعاداة في الله، وعلى التوكل والرضى والعزم على الطاعة، ويعاقب على الكبر والحسد والعجب والشك والرياء وظن السوء بالأبرياء.

ولا حجة في شيء من هذا على وقوع الطلاق والعتاق بمجرد النية من غير تلفظ، أما حديث ( «الأعمال بالنيات» ) فهو حجة عليهم؛ لأنه أخبر فيه أن العمل مع النية هو المعتبر، لا النية وحدها، وأما من اعتقد الكفر بقلبه أو شك، فهو كافر لزوال الإيمان الذي هو عقد القلب مع الإقرار، فإذا زال العقد الجازم كان نفس زواله كفرا، فإن الإيمان أمر وجودي ثابت قائم بالقلب، فما لم يقم بالقلب، حصل ضده وهو الكفر، وهذا كالعلم والجهل إذا فقد العلم حصل الجهل، وكذلك كل نقيضين زال أحدهما خلفه الآخر.

وأما الآية فليس فيها أن المحاسبة بما يخفيه العبد إلزامه بأحكامه بالشرع، وإنما فيها محاسبته بما يبديه أو يخفيه، ثم هو مغفور له أو معذب، فأين هذا من وقوع الطلاق بالنية.

وأما أن المصر على المعصية فاسق مؤاخذ، فهذا إنما هو فيمن عمل المعصية، ثم أصر عليها، فهنا عمل اتصل به العزم على معاودته، فهذا هو المصر، وأما من عزم على المعصية ولم يعملها فهو بين أمرين: إما أن لا تكتب عليه، وإما أن تكتب له حسنة إذا تركها لله عز وجل. وأما الثواب والعقاب على أعمال القلوب فحق والقرآن والسنة مملوءان به، ولكن وقوع الطلاق والعتاق بالنية من غير تلفظ أمر خارج عن الثواب والعقاب، ولا تلازم بين الأمرين، فإن ما يعاقب عليه من أعمال القلوب هو معاص قلبية يستحق العقوبة عليها، كما يستحقه على المعاصي البدنية إذ هي منافية لعبودية القلب، فإن الكبر والعجب والرياء وظن السوء محرمات على القلب، وهي أمور اختيارية يمكن اجتنابها فيستحق العقوبة على فعلها وهي أسماء لمعان مسمياتها قائمة بالقلب.

وأما العتاق والطلاق فاسمان لمسميين قائمين باللسان، أو ما ناب عنه من

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م