تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج يبس الطبع واحتياجه إلى ما يمشيه ويلينه] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٢٬١١٤ من ٢٬٦٢٨.

[فصل هديه صلى الله عليه وسلم في علاج يبس الطبع واحتياجه إلى ما يمشيه ويلينه]

ج ٥ · ص ٢٢٥

لم يملك إبانتها بثلاث مجموعة، إذ هو خلاف شرعه.

ونكتة المسألة أن الله لم يجعل للأمة طلاقا بائنا قط إلا في موضعين:

أحدهما: طلاق غير المدخول بها.

والثاني: الطلقة الثالثة، وما عداه من الطلاق، فقد جعل للزوج فيه الرجعة، هذا مقتضى الكتاب كما تقدم تقريره، وهذا قول الجمهور، منهم: الإمام أحمد، والشافعي، وأهل الظاهر، قالوا: لا يملك إبانتها بدون الثلاث إلا في الخلع.

ولأصحاب مالك ثلاثة أقوال فيما إذا قال: أنت طالق طلقة لا رجعة فيها: أحدها: أنها ثلاث، قاله ابن الماجشون؛ لأنه قطع حقه من الرجعة، وهي لا تنقطع إلا بثلاث، فجاءت الثلاث ضرورة.

الثاني: أنها واحدة بائنة، كما قال، هذا قول ابن القاسم؛ لأنه يملك إبانتها بطلقة بعوض، فملكها بدونه، والخلع عنده طلاق.

الثالث: أنها واحدة رجعية، وهذا قول ابن وهب، وهو الذي يقتضيه الكتاب والسنة والقياس، وعليه الأكثرون.

فصل وأما المسألة الثانية، وهي وقوع الثلاث بكلمة واحدة، فاختلف الناس فيها على أربعة مذاهب:

أحدها: أنها تقع، وهذا قول الأئمة الأربعة، وجمهور التابعين، وكثير من الصحابة رضي الله عنهم.

الثاني: أنها لا تقع بل ترد لأنها بدعة محرمة، والبدعة مردودة؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: ( «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد» ) ، وهذا المذهب حكاه أبو محمد بن حزم، وحكي للإمام أحمد فأنكره، وقال: هو قول الرافضة.

ج ٥ · ص ٢٢٦

الثالث: أنه يقع به واحدة رجعية، وهذا ثابت عن ابن عباس، ذكره أبو داود عنه. قال الإمام أحمد: وهذا مذهب ابن إسحاق، يقول: خالف السنة فيرد إلى السنة، انتهى، وهو قول طاووس، وعكرمة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية.

الرابع: أنه يفرق بين المدخول بها وغيرها، فتقع الثلاث بالمدخول بها، ويقع بغيرها واحدة، وهذا قول جماعة من أصحاب ابن عباس، وهو مذهب إسحاق بن راهويه فيما حكاه عنه محمد بن نصر المروزي في كتاب " اختلاف العلماء ".

فأما من لم يوقعها جملة، فاحتجوا بأنه طلاق بدعة محرم، والبدعة مردودة، وقد اعترف أبو محمد بن حزم بأنها لو كانت بدعة محرمة، لوجب أن ترد وتبطل، ولكنه اختار مذهب الشافعي أن جمع الثلاث جائز غير محرم، وستأتي حجة هذا القول.

وأما من جعلها واحدة، فاحتج بالنص والقياس، فأما النص، فما رواه معمر وابن جريج عن ابن طاووس، عن أبيه، ( «أن أبا الصهباء قال لابن عباس: ألم تعلم أن الثلاث كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأبي بكر، وصدرا من إمارة عمر؟ قال: نعم» ) . رواه مسلم في " صحيحه ".

وفي لفظ: ( «ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وصدرا من خلافة عمر ترد إلى واحدة؟ قال: نعم» ) .

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م