تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[تفضيل بعض الأيام والشهور على بعض] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٢٦ من ٢٬٦٢٨.

[تفضيل بعض الأيام والشهور على بعض]

ج ١ · ص ٥٩

قيل: قد ذهب بعض العلماء إلى تفضيل يوم الجمعة على يوم عرفة محتجا بهذا الحديث، وحكى القاضي أبو يعلى رواية عن أحمد أن ليلة الجمعة أفضل من ليلة القدر، والصواب أن يوم الجمعة أفضل أيام الأسبوع، ويوم عرفة ويوم النحر أفضل أيام العام، وكذلك ليلة القدر، وليلة الجمعة، ولهذا كان لوقفة الجمعة يوم عرفة مزية على سائر الأيام من وجوه متعددة.

أحدها: اجتماع اليومين اللذين هما أفضل الأيام.

الثاني: أنه اليوم الذي فيه ساعة محققة الإجابة، وأكثر الأقوال أنها آخر ساعة بعد العصر، وأهل الموقف كلهم إذ ذاك واقفون للدعاء والتضرع.

الثالث: موافقته ليوم وقفة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

الرابع: أن فيه اجتماع الخلائق من أقطار الأرض للخطبة وصلاة الجمعة، ويوافق ذلك اجتماع أهل عرفة يوم عرفة بعرفة، فيحصل من اجتماع المسلمين في

ج ١ · ص ٦٠

مساجدهم وموقفهم من الدعاء والتضرع ما لا يحصل في يوم سواه.

الخامس: أن يوم الجمعة يوم عيد، ويوم عرفة يوم عيد لأهل عرفة؛ ولذلك كره لمن بعرفة صومه، وفي النسائي عن أبي هريرة قال: ( «نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صوم يوم عرفة بعرفة» ) ، وفي إسناده نظر، فإن مهدي بن حرب العبدي ليس بمعروف، ومداره عليه، ولكن ثبت في الصحيح من حديث أم الفضل " «أن ناسا تماروا عندها يوم عرفة في صيام رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال بعضهم: هو صائم، وقال بعضهم: ليس بصائم، فأرسلت إليه بقدح لبن وهو واقف على بعيره بعرفة فشربه» .

وقد اختلف في حكمة استحباب فطر يوم عرفة بعرفة، فقالت طائفة: ليتقوى على الدعاء، وهذا هو قول الخرقي وغيره، وقال غيرهم - منهم شيخ الإسلام ابن تيمية -: الحكمة فيه أنه عيد لأهل عرفة، فلا يستحب صومه لهم، قال: والدليل عليه الحديث الذي في " السنن " عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( «يوم عرفة، ويوم النحر، وأيام منى، عيدنا أهل الإسلام» ) .

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م