تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل من هديه صلى الله عليه وسلم في سفره الاقتصار على الفرض] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٥٠٠ من ٢٬٦٢٨.

[فصل من هديه صلى الله عليه وسلم في سفره الاقتصار على الفرض]

ج ٢ · ص ٢٤

بالصدقة لزمت كل حلقة مكانها ولم تتسع عليه» ) فهذا مثل انشراح صدر المؤمن المتصدق، وانفساح قلبه، ومثل ضيق صدر البخيل، وانحصار قلبه.

ومنها الشجاعة، فإن الشجاع منشرح الصدر، واسع البطان، متسع القلب، والجبان أضيق الناس صدرا، وأحصرهم قلبا، لا فرحة له ولا سرور، ولا لذة له، ولا نعيم إلا من جنس ما للحيوان البهيمي، وأما سرور الروح ولذتها ونعيمها وابتهاجها فمحرم على كل جبان، كما هو محرم على كل بخيل، وعلى كل معرض عن الله سبحانه، غافل عن ذكره، جاهل به وبأسمائه تعالى وصفاته ودينه، متعلق القلب بغيره.

وإن هذا النعيم والسرور يصير في القبر رياضا وجنة، وذلك الضيق والحصر ينقلب في القبر عذابا وسجنا.

فحال العبد في القبر كحال القلب في الصدر نعيما وعذابا، وسجنا وانطلاقا، ولا عبرة بانشراح صدر هذا لعارض، ولا بضيق صدر هذا لعارض، فإن العوارض تزول بزوال أسبابها، وإنما المعول على الصفة التي قامت بالقلب توجب انشراحه وحبسه، فهي الميزان، والله المستعان.

ومنها بل من أعظمها: إخراج دغل القلب من الصفات المذمومة التي

ج ٢ · ص ٢٥

توجب ضيقه وعذابه، وتحول بينه وبين حصول البرء، فإن الإنسان إذا أتى الأسباب التي تشرح صدره، ولم يخرج تلك الأوصاف المذمومة من قلبه، لم يحظ من انشراح صدره بطائل، وغايته أن يكون له مادتان تعتوران على قلبه، وهو للمادة الغالبة عليه منهما.

ومنها: ترك فضول النظر والكلام والاستماع والمخالطة والأكل والنوم، فإن هذه الفضول تستحيل آلاما وغموما وهموما في القلب، تحصره وتحبسه وتضيقه ويتعذب بها، بل غالب عذاب الدنيا والآخرة منها، فلا إله إلا الله ما أضيق صدر من ضرب في كل آفة من هذه الآفات بسهم، وما أنكد عيشه، وما أسوأ حاله، وما أشد حصر قلبه، ولا إله إلا الله ما أنعم عيش من ضرب في كل خصلة من تلك الخصال المحمودة بسهم، وكانت همته دائرة عليها، حائمة حولها، فلهذا نصيب وافر من قوله تعالى: {إن الأبرار لفي نعيم} [الانفطار: 13] [الانفطار 13] ، ولذلك نصيب وافر من قوله تعالى: {وإن الفجار لفي جحيم} [الانفطار: 14] [الانفطار 14] ، وبينهما مراتب متفاوتة لا يحصيها إلا الله تبارك وتعالى.

والمقصود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان أكمل الخلق في كل صفة يحصل بها انشراح الصدر، واتساع القلب، وقرة العين، وحياة الروح، فهو أكمل الخلق في هذا الشرح والحياة وقرة العين مع ما خص به من الشرح الحسي، وأكمل الخلق متابعة له، أكملهم انشراحا ولذة وقرة عين، وعلى حسب متابعته ينال العبد من انشراح صدره وقرة عينه ولذة روحه ما ينال، فهو صلى الله عليه وسلم في ذروة الكمال من شرح الصدر ورفع الذكر ووضع الوزر، ولأتباعه من ذلك بحسب نصيبهم من اتباعه، والله المستعان.

وهكذا لأتباعه نصيب من حفظ الله لهم، وعصمته إياهم، ودفاعه عنهم، وإعزازه لهم، ونصره لهم، بحسب نصيبهم من المتابعة، فمستقل ومستكثر. فمن وجد خيرا فليحمد الله. ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م