تخطَّ إلى المحتوى

كتبٌ تُقرأ لا تُتصفَّح

[فصل في مبعثه صلى الله عليه وسلم وأول ما نزل عليه] — زاد المعاد في هدي خير العباد

من زاد المعاد في هدي خير العباد لـمحمد بن أبي بكر ابن قيّم الجوزية — الورقة ٥٧ من ٢٬٦٢٨.

[فصل في مبعثه صلى الله عليه وسلم وأول ما نزل عليه]

ج ١ · ص ٩٠

المحمودة التي لأجلها استحق أن يسمى محمدا صلى الله عليه وسلم، وأحمد وهو الذي يحمده أهل السماء وأهل الأرض وأهل الدنيا وأهل الآخرة؛ لكثرة خصائله المحمودة التي تفوق عد العادين وإحصاء المحصين، وقد أشبعنا هذا المعنى في كتاب الصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وسلم، وإنما ذكرنا هاهنا كلمات يسيرة اقتضتها حال المسافر وتشتت قلبه وتفرق همته، وبالله المستعان وعليه التكلان.

وأما اسمه المتوكل، ففي صحيح البخاري عن (عبد الله بن عمرو قال: قرأت في التوراة صفة النبي صلى الله عليه وسلم: محمد رسول الله، عبدي ورسولي، سميته المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، بل يعفو ويصفح، ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، بأن يقولوا: لا إله إلا الله) وهو صلى الله عليه وسلم أحق الناس بهذا الاسم؛ لأنه توكل على الله في إقامة الدين توكلا لم يشركه فيه غيره.

وأما الماحي، والحاشر، والمقفي، والعاقب، فقد فسرت في حديث جبير بن مطعم، فالماحي: هو الذي محا الله به الكفر، ولم يمح الكفر بأحد من الخلق ما محي بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإنه بعث وأهل الأرض كلهم كفار إلا بقايا من أهل الكتاب، وهم ما بين عباد أوثان ويهود مغضوب عليهم ونصارى ضالين وصابئة دهرية لا يعرفون ربا ولا معادا، وبين عباد الكواكب، وعباد النار، وفلاسفة لا يعرفون شرائع الأنبياء، ولا يقرون بها، فمحا الله سبحانه

ج ١ · ص ٩١

برسوله ذلك حتى ظهر دين الله على كل دين، وبلغ دينه ما بلغ الليل والنهار، وسارت دعوته مسير الشمس في الأقطار.

وأما الحاشر، فالحشر هو الضم والجمع، فهو الذي يحشر الناس على قدمه، فكأنه بعث ليحشر الناس.

والعاقب: الذي جاء عقب الأنبياء، فليس بعده نبي، فإن العاقب هو الآخر، فهو بمنزلة الخاتم، ولهذا سمي العاقب على الإطلاق، أي: عقب الأنبياء جاء بعقبهم.

وأما المقفي فكذلك، وهو الذي قفى على آثار من تقدمه، فقفى الله به على آثار من سبقه من الرسل، وهذه اللفظة مشتقة من القفو، يقال: قفاه يقفوه: إذا تأخر عنه، ومنه: قافية الرأس، وقافية البيت، فالمقفي: الذي قفى من قبله من الرسل فكان خاتمهم وآخرهم.

وأما نبي التوبة: فهو الذي فتح الله به باب التوبة على أهل الأرض فتاب الله عليهم توبة لم يحصل مثلها لأهل الأرض قبله. وكان صلى الله عليه وسلم أكثر الناس استغفارا وتوبة، حتى كانوا يعدون له في المجلس الواحد مائة مرة: ( «رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور» ) .

وكان يقول: ( «يا أيها الناس توبوا إلى الله ربكم فإني أتوب إلى الله في اليوم مائة مرة» ) ، وكذلك توبة أمته أكمل من توبة سائر الأمم وأسرع

ط. مؤسسة الرسالة، بيروت — مكتبة المنار الإسلامية، الكويت · الطبعة السابعة والعشرون ١٤١٥هـ/١٩٩٤م