فصل في وصف حجة النبي
ج ٢ · ص ٢٢٣
صاحب " المفيد ": إن الطيب يتصل به فيصير تبعا له؛ ليدفع به أذى التعب بعد إحرامه، فيصير كالسحور في حق الصائم، يدفع به أذى الجوع والعطش في الصوم، بخلاف الثوب فإنه بائن عنه.
وقد اختلف الفقهاء، هل هو ممنوع من استدامته كما هو ممنوع من ابتدائه أو يجوز له استدامته؟ على قولين.
فمذهب الجمهور: جواز استدامته اتباعا لما ثبت بالسنة الصحيحة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يتطيب قبل إحرامه، ثم يرى وبيص الطيب في مفارقه بعد إحرامه، وفي لفظ "وهو يلبي" وفي لفظ " بعد ثلاث ". وكل هذا يدفع التأويل الباطل الذي تأوله من قال: إن ذلك كان قبل الإحرام فلما اغتسل ذهب أثره. وفي لفظ: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن يحرم تطيب بأطيب ما يجد، ثم يرى، وبيص الطيب في رأسه، ولحيته بعد ذلك» ، ولله ما يصنع التقليد، ونصرة الآراء بأصحابه.
وقال آخرون منهم: إن ذلك كان مختصا به، ويرد هذا أمران، أحدهما: أن دعوى الاختصاص لا تسمع إلا بدليل.
والثاني: ما رواه أبو داود، عن عائشة، ( «كنا نخرج مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى مكة، فنضمد جباهنا بالسك المطيب عند الإحرام، فإذا عرقت إحدانا، سال على وجهها، فيراه النبي - صلى الله عليه وسلم - فلا ينهانا» ) .
ج ٢ · ص ٢٢٤
الحكم العاشر: أن المحرم ممنوع من تغطية رأسه، والمراتب فيه ثلاث: ممنوع منه بالاتفاق، وجائز بالاتفاق، ومختلف فيه، فالأول: كل متصل ملامس يراد لستر الرأس، كالعمامة، والقبعة، والطاقية، والخوذة وغيرها.
والثاني: كالخيمة، والبيت والشجرة، ونحوها، وقد صح عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه ضربت له قبة بنمرة وهو محرم، إلا أن مالكا منع المحرم أن يضع ثوبه على شجرة؛ ليستظل به، وخالفه الأكثرون، ومنع أصحابه المحرم أن يمشي في ظل المحمل.
والثالث: كالمحمل، والمحارة، والهودج، فيه ثلاثة أقوال: الجواز، وهو قول الشافعي، وأبي حنيفة - رحمهما الله -، والثاني: المنع. فإن فعل افتدى، وهو مذهب مالك - رحمه الله -. والثالث: المنع فإن فعل فلا فدية عليه، والثلاثة روايات عن أحمد - رحمه الله -.
الحكم الحادي عشر: منع المحرم من تغطية وجهه، وقد اختلف في هذه المسألة، فمذهب الشافعي، وأحمد في رواية إباحته ومذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد في رواية المنع، منه وبإباحته قال ستة من الصحابة عثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وزيد بن ثابت، والزبير، وسعد بن أبي وقاص، وجابر - رضي الله عنهم -. وفيه قول ثالث شاذ: إن كان حيا، فله تغطية وجهه، وإن كان ميتا، لم يجز تغطية وجهه، قاله ابن حزم، وهو اللائق بظاهريته.
واحتج المبيحون بأقوال هؤلاء الصحابة، وبأصل الإباحة، وبمفهوم قوله: " «ولا تخمروا رأسه» " وأجابوا عن قوله: " «ولا تخمروا وجهه» " بأن هذه اللفظة غير محفوظة فيه. قال شعبة: حدثنيه أبو بشر، ثم سألته عنه بعد عشر سنين، فجاء بالحديث كما كان، إلا أنه قال: " «لا تخمروا رأسه، ولا وجهه» " قالوا: