٢٣. ماذا لو أردتَ أن ترجع؟
خطواتُ الرجوع عمليّةٌ لمن مال إليه، وهي تفترض دينًا بعينه، بخلاف الميزان في الفصل السابق. فليست جزءًا من ذلك الميزان، ولا حكمًا على من لم يمِل. ومن لم يكن هذا حالَه فالقسمُ السابعُ له هو.
السؤال: اقتنعتَ، أو مِلتَ إلى الاقتناع. فماذا الآن؟
الجوابُ في سطرين: ابدأ بالأصغر الذي يدوم، ولا تعُد إلى البيئة نفسِها التي أخرجتك. ولك أن ترجع وفي يدك سؤالٌ لم يُحسم — لا أحد يشترط عليك أن تنتهي أسئلتُك أوّلًا.
وقبل الخطوات كلِّها فعلٌ واحدٌ هو الحدُّ الفاصل: الرجوعُ نفسُه يقع بالنطق بالشهادتين والتبرّؤِ ممّا يخالفهما، ولا يُشترط لذلك حضورُ أحدٍ ولا إشهاد. وما في هذا الفصل خطواتٌ في الثبات بعده، لا في وقوعه. وهذا نقلٌ عن أهل العلم لا حكمٌ منّي؛ ومن أراد التفصيلَ سأل أهلَ الفتوى في بلده. وما مضى يُغفر بالتوبة، وبابُ القبول مفتوحٌ لا يُغلق — وفي سورة الزمر ٥٣ ما يقطع بذلك، وفي سورة طه ٨٢ مثلُه. فلا يحبسك عن الخطوة الأولى ما كان.
١. لا تشترط على نفسك أن تفهم كلَّ شيءٍ قبل أن تبدأ
من انتظر أن يفهم محرّكَ السيّارة كلَّه قبل أن يقودها لم يقُد أبدًا. وأنت تركب الطائرةَ ولا تعرف من صنع محرّكها، وتثق بسجلّ صيانةٍ لم تره.
وفي سِيَر كثيرين ممّن رجعوا ترتيبٌ يتكرّر: أنّ الطمأنينةَ جاءت بعد الفعل لا قبله. وهو وصفٌ يتكرّر في سِيَرهم، لا نتيجةُ دراسةٍ أُحيل عليها. ومن جعل اليقينَ التامَّ شرطًا للخطوة الأولى فقد وضع النتيجةَ في مكان المقدّمة، ثمّ لام نفسَه على أنّه لم يتحرّك.
٢. الأصغرُ الذي يدوم خيرٌ من الأكبر الذي ينقطع
والمسألةُ هنا في تنفيذ فعلٍ يتكرّر، لا في صواب رأيٍ ولا في خطئه. فمن عاد إلى الجري بعد سنتين، فبدأ بعشرة كيلومترات، أوجع ركبتيه فقعد شهرًا. والخطأُ في المقدار لا في الرجل، والبدايةُ الصحيحة خمسُ دقائق تتكرّر.
فاختر أصغرَ شيءٍ تستطيع أن تفعله كلَّ يومٍ بلا بطولة. والشرطُ الوحيد أن يكون متكرّرًا، لا أن يكون كبيرًا. والكلامُ ههنا فيما زاد على الفرائض. فأمّا الصلواتُ الخمس فتلزم بدخول أوقاتها عند المذاهب الأربعة، وإنّما يكون التدرّجُ في التعلّم لا في تأخير ما لزم. والذي أراه في نفسي وفيمن حولي أنّ ما ينقطع بعد أسبوعٍ قد يترك أثرًا أسوأ من عدمه. فهو يُعلّمك عن نفسك خبرًا كاذبًا، وهذا الخبرُ عن قدرتك لا عن رأيك. وهي ملاحظةٌ لا قياس.
٣. لا تعُد إلى البيئة نفسِها
وهذه أهمُّ النصائح هنا.
من أراد أن ينام مبكّرًا وأبقى الهاتفَ على الوسادة، لم يُهزم لأنّ عزيمتَه ضعيفة. والذي أراه في نفسي وفيمن حولي أنّ البيئةَ تحمل الإشارات، وأنّ الإشاراتِ أسرعُ من القرار. وهي ملاحظةٌ لا قياس، ولا أسوقها خبرًا عن دراسة.
فإن كان الذي أخرجك سؤالًا قُمع، فلا تعُد إلى من قمعه. وإن كان الذي أخرجك أذًى وقع باسم الدين، فلا تجعل شفاءك موقوفًا على من آذاك.
واختر من تسأله قبل أن يأتيك السؤال. والأصلُ قبل الشروط كلِّها أن يكون ثقةً في دينه، فأنت تسأله في دينك؛ وقد نقل مسلمٌ في مقدّمة صحيحه عن ابن سيرين: «إنّ هذا العلم دين، فانظروا عمّن تأخذون دينكم». وله بعد ذلك ثلاثةُ شروط:
- أن يعرف البابَ الذي تسأل فيه — فهدوءُ الجاهل لا ينفعك، وقد يستوفي الشرطين الآخرين وهو لا يعلم شيئًا.
- أن يقول «لا أعرف» حين لا يعرف.
- ألّا يُفزَع من سؤالك.
ومن نقص فيه واحدٌ منها يُسمَع منه، ولا تعرض عليه شكَّك.
٤. قلقٌ قد يجاور السؤالَ ولا يكون هو السؤال — وأنت وحدَك تعرفه من نفسك
هذه العلاماتُ لا تُصنِّف أحدًا، ولا تنزع عن سؤالٍ اسمَه. فالسؤالُ النظريّ يبقى سؤالًا نظريًّا وإن جاوره قلق، وقد يجتمعان فلا يُطفئ أحدُهما الآخر. والحالُ المقصودةُ يعرفها المرءُ من نفسه ويعرضها على مختصّ، وليست وصفًا يُلصقه به محاور.
١. دقّةُ السؤال ليست عَرَضًا، بل علامةُ صحّة. فمن ضيّق سؤالَه بعد جوابٍ أخطأ موضعَه فقد فعل ما يفعله الباحث. فأن يعود سؤالُك بعد كلّ جوابٍ بصيغةٍ أدقّ ليس من علامات القلق أصلًا.
٢. والعلامةُ وصفُ حالٍ لا تصنيفُ شخص: أن يأخذ السؤالُ ساعاتٍ من يومك؛ وأن تكون الطمأنينةُ التي تجدها بعد كلّ جوابٍ قصيرةَ الأجل، دون أن يتغيّر السؤالُ نفسُه؛ وأن يكون ما تطلبه راحةً لا جوابًا. وهذا وصفٌ تعرفه أنت من نفسك، ولا يعرفه محاورُك عنك.
٣. ولا تصنيف. قد يجتمع الأمران معًا: قلقٌ حقيقيّ، وسؤالٌ نظريٌّ قائم، وليس من اللازم أن يُصنَّف الحالُ في أحدهما. والحكمُ في هذا ليس إليك ولا إليّ؛ فالذي يفصل فيه أن يُعرض الحالُ على مختصّ. وهذا وصفُ حالٍ يُعرض عليه، لا تشخيصٌ يصدر من كتاب.
٤. والقاعدةُ تعمل في الجهتين. فإن كان جوابُك أنت يعود بعد كلّ سؤالٍ بصيغةٍ أوسعَ لا أدقّ، ويطمئنك ساعتين ثمّ ترجع تفتّش عن غيره، ولا تجد نفسك تسأل: «فما الذي لو صحّ لغيّر رأيي؟» — فذاك دفاعٌ لا حجّة، والقلقُ فيه قلقُك أنت. والميزانُ الذي يعمل في اتّجاهٍ واحدٍ ليس ميزانًا.
٥. ولا يُقال لأحدٍ في وجهه: «هذا وسواس». من قالها لمحاوره فقد أغلق البابَ، وأخذ سلطةً ليست له. وجعل هذا الوصفَ مفتاحًا يعيد به تصنيفَ إلحاح محاوره على سؤاله. فهذه العلاماتُ تعرفها أنت عن نفسك، ولا يستعملها غيرُك عنك.
٥. لا يُطلب منك أن تسامح، ولا الآن
من أُوذي فقيل له «سامح» أُضيف إلى جرحه ذنب. والمسامحةُ تحت الطلب تُبطئ الشفاءَ ولا تعجّله. والفصلُ بين الله وبين من آذاك باسمه احتمالٌ تملكه، لا واجبٌ يُفرض عليك، ولا شرطٌ لقبولك. وهو ثمرةٌ للشفاء، لا بابٌ إليه. والمنفيُّ ههنا الإلزامُ والاستعجال، لا فضلُ العفو نفسِه. فالعفوُ في الشريعة مرغَّبٌ فيه لا مفروض، وفي سورة النور ٢٢ وسورة الشورى ٤٠ ما يدلّ عليه. والحقُّ حقُّك: إن استوفيتَه لم تأثم، وإن عفوتَ فلك أجرُه عند الله — ولكن حين تقدر أنت، لا حين يُقال لك.
٦. أعطِ سؤالك المفتوح مكانًا مكتوبًا
خذ ورقةً واكتب السؤالَ الذي لم يُحسم عندك، وضع له تاريخًا، واحفظها.
وفرقٌ بين «علّقتُه» و«أنكرتُه»، وفرقٌ بينهما وبين «لا سبيلَ إلى معرفته أبدًا». فالأولى تُبقي البابَ مفتوحًا ولا تُلزمك شيئًا. والثالثةُ دعوى على حدود المعرفة كلِّها، فتُسأل عن سندها كما تُسأل دعواي. ولا أقول إنّها أثقلُ ما في المسألة. فالموازنةُ بين الأعباء دعوى أخرى، ولا أملك ميزانًا أزنها به.
وسؤالٌ واحدٌ معلَّقٌ مكتوبٌ بتاريخه أنفعُ من عشرة أسئلةٍ تدور في الرأس بلا صيغة. المكتوبُ يُراجَع بعد سنة، والدائرُ في الرأس يتضخّم كلَّ ليلة.
٧. وماذا لو لم ترجع؟
لا يكفي أن يُقال لمن بقي على شكّه: «لك أن تبقى». فهذا إذنٌ، والإذنُ وحدَه لا يُصدَّق حتى تُعطى معه مساحة. وهذه المساحة:
١. لستَ في اختبارٍ له وقتٌ ينتهي. من عاش سنين على سؤالٍ معلَّقٍ لم يفعل شيئًا شائنًا. والاستعجالُ إلى قرارٍ لتستريح من الحيرة قرارٌ تدفعه الرغبةُ في الراحة، وهو عيبٌ أعيبه على الجهتين معًا.
٢. واحفظ ما لا علاقةَ له بالمسألة. كثيرًا ما يكون المفقودُ في هذا الطريق ليس عقيدةً، بل أبٌ وأمٌّ وأصدقاءُ مائدة — وهي ملاحظةٌ لا قياس. فرأيُك لا يُلزمك من جهتك أنت أن تترك طعامَك مع أمّك. ومن جعل تركَه لازمًا من جهته فقد اشترى خسارةً لا يقتضيها موقفُه. فلا تقطع ما لا يقتضي موقفُك قطعَه، ولا تتبرّع بخسارةٍ لم تُطلب منك. وأمّا إن كان القطعُ واقعًا عليك لا صادرًا منك، فليس ممّا اخترتَه، ولا أحمّلك تبعةَ فعل غيرك. وما يقع على الإنسان بغير اختياره لا يرفعه عنه كتاب، ولا أزعم أنّ في هذه الأسطر ما يرفعه.
٣. واكتب سؤالك كما يكتبه الراجع. فالورقةُ في القسم السادس ليست للمؤمن وحدَه. اكتب: ما الذي لو ظهر لغيّر موقفي؟ ومن لم يجد لسؤاله هذا جوابًا، فحالُه حالُ من وقفتُه عند معيار «قابليّة التكذيب» في الفصل السابق سواءً بسواء، وقد وقفتُ نفسي عنده.
٤. ولستُ بحاكمٍ عليك. فلا أشترط عليك أن تقتنع، ولا أُحاسبك على موضعك اليوم. وأمّا حقيقةُ حالك فلا يصنعها رأيي فيك، ولا سكوتي عنها.
٥. وإن ألمّ بك ضيقٌ يتجاوز السؤال — فتورٌ عن العمل، أو نومٌ يفسد، أو فكرةٌ في إيذاء النفس — فذاك بابٌ آخر يُذهب فيه إلى مختصّ، ولا علاقةَ له بأيّ رأيٍ تحمله في هذه المسألة، ولا يقول عنك شيئًا.
ما لا تُثبته هذه الخطوات
لا شيءَ ممّا سبق يُثبت شيئًا في المسألة النظريّة. فالطريقةُ التي ترجع بها لا تجعل الدعوى صادقة، والطريقةُ التي تخرج بها لا تجعلها كاذبة. فالسؤالُ هنا: كيف تُنفَّذ الخطوة؟ لا: هل هي صحيحة؟ ومن خلط بين السؤالين فهم منها غيرَ ما فيها.