Skip to content

٢٤. كيف تحاور من يشكّ — وكيف تحاور من يؤمن

وقواعدُ محاورة الشاكّ عمليّة، وتفترض دينًا بعينه، بخلاف الميزان في الفصل الثاني والعشرين. فليست جزءًا من ذلك الميزان، ولا حكمًا على أحد. ومن كان في الجهة الأخرى فقواعدُه في القسم المقابل في آخر الفصل.
وقد يعترض الشاكّ على الفكرة كلِّها فيقول: نشرُ هذه القواعد في كتابٍ أقرؤه أنا يُبطلها؛ فإذا قرأتُها، ثمّ بدأ أخي حديثَه بـ«متى بدأتَ تشكّ؟»، لن أسمع سؤالًا، بل سأسمع «القاعدةَ الأولى». وهذا صحيح، وهو مقصود. فالبديلُ أن تُكتب القواعدُ لجهةٍ وتُخفى عن الأخرى، وذاك يجعلها حيلةً لا أدبًا. والقاعدةُ التي تنكسر إذا عرفها الطرفُ الآخر قاعدةُ تلاعبٍ تستحقّ أن تنكسر. وما يبقى منها بعد الإعلان — ألّا تُفزَع، وأن تقول «لا أعرف»، وألّا تناظره أمام الناس — يعمل وهو معلوم، بل يعمل أحسن. والقواعدُ نفسُها تصلح معكوسةً لمن يحاور مؤمنًا.

السؤال: جاءك أخوك أو ابنُك أو صديقُك بشكّ. فماذا تفعل؟

الجوابُ في سطرين: ستُّ قواعد، كلُّها فرعٌ عن واحدة: أن تكون مستعدًّا لأن يبقى حيث هو. فإن لم تكن مستعدًّا شعر بذلك منك في أوّل جملة، وانتهى الحديثُ قبل أن يبدأ.

١. ابدأ بالسؤال لا بالجواب

«متى بدأتَ تشكّ؟» تفتح. «ما دليلك؟» تُغلق.

*والسبب:* السؤالُ الثاني يضعه في موضع المتّهم، فينشغل بحماية موقفه عن فحصه. والأوّلُ يطلب منه أن يحكي، والحكايةُ تُخرج ما لا يُخرجه الاستجواب.

*المثال:* الطبيبُ الجيّد يبدأ بـ«ممّ تشكو، ومتى بدأ؟» لا بـ«أثبت لي أنّك مريض». والفرقُ ليس لطفًا فقط؛ فالجوابُ الأوّل يحمل معلوماتٍ تعين على التشخيص، والثاني يحمل دفاعًا.

وإن عرف أنّها قاعدة فقل له: نعم، هي قاعدةٌ مكتوبةٌ في كتابٍ قرأتَه، وأنا أسألك لأنّي أريد أن أعرف، لا لأنّها القاعدةُ الأولى. والصدقُ في هذا يُسمع، والادّعاءُ يُشمّ.

٢. لا تُفزَع

إظهارُ الذعر يقول له: أنت ضائع. فيتحوّل موقفُه من سؤالٍ يفحصه إلى هويّةٍ يدافع عنها. والهويّةُ لا تُناقَش؛ السؤالُ هو الذي يُناقَش.

*المثال:* الطبيبُ يفتح ورقةَ التحاليل فيشحب وجهُه. المريضُ لم يقرأ الورقةَ بعد، لكنّه قرأ الوجه، ولن يسمع بعدها كلمةً واحدةً كما قيلت.

٣. قل «لا أعرف» حين لا تعرف

*والسبب* أنّ جوابًا واحدًا مصطنعًا يكتشفه محاورُك، فتسقط عنده معه كلُّ أجوبتك الصحيحة. والاعترافُ بحدود علمك يشتري لك ثقةً تُنفقها حيث تعرف.

*المثال:* ميكانيكيٌّ خمّن العطلَ فغيّر قطعةً بلا داعٍ، فعادت السيّارةُ تتعطّل. فصرتَ تشكّ في كلّ ما قاله لك قبلها، حتى فيما كان صحيحًا منه.

٤. افصل الله عمّن آذى باسمه — بلا تبرئةٍ رخيصة

الصيغةُ السيّئة: «الدينُ بريء، وما فعله أبوك لا يمثّله». تُسمع دفاعًا عن مؤسّسةٍ على حساب المتألّم، وتكذّبه في أوضح ما يعرف. فالصلةُ قائمةٌ في تجربته، وإن لم تكن قائمةً في الحكم.

والأنفعُ ثلاثُ خطوات: أن تسمّي الفعلَ باسمه (ظلم، أو قسوة)؛ ثمّ تُقرّ بأنّه وقع باسم الدين فعلًا؛ ثمّ تعرض الفصلَ بين الله وبين من آذاه احتمالًا يملكه، لا واجبًا يُفرض عليه، ولا شرطًا لقبوله.

والسببُ النفسيّ: كثيرٌ من الغضب موجَّهٌ إلى أبٍ أو معلّمٍ أو جماعة، ثمّ يُصرف إلى الله لأنّ صاحبَه لا يستطيع أن يصرفه إلى من آذاه. وهي ملاحظةٌ لا قياس. وتسميةُ الغضب باسمه نصفُ علاجه.

*وحدُّ هذه القاعدة:* قد يكون غضبُه على الحكم نفسِه لا على من طبّقه، فلا يكون في المسألة أبٌ ولا معلّم. فلا تفترض الجرحَ ولا تبحث عنه؛ فمن افترض الجرحَ ولم يكن موجودًا، فكأنّه قال لصاحبه: اعتراضُك ليس اعتراضًا. وهذا أثقلُ عليه من أن يقولها له صراحة.

٥. لا تناظره أمام الناس

الجمهورُ يجعل التراجعَ خسارةً أمام الناس، فيغلب حفظُ ماء الوجه على النظر في المسألة.

*المثال:* من طُلب منه أن يعتذر في اجتماعٍ فيه عشرون رجلًا اعتذر بلسانه، وازداد تمسّكًا في نفسه. والكلمةُ في الطريق إلى البيت تفعل ما لا تفعله ساعةٌ على منبر.

٦. أعطِه وقتًا

ما بُني في سنواتٍ لا يُهدم في جلسة. وفي سِيَر من مرّوا بهذا وصفٌ يتكرّر: أنّ الطريقَ طويل، فيه شكوكٌ أولى، فبحثٌ عن بدائل، فنقطةُ تحوّل، فبناءُ حياةٍ جديدة. وهو وصفٌ يتكرّر، لا نتيجةُ دراسةٍ أُحيل عليها، ولا أسوقه خبرًا مقيسًا. وأكثرُ من تحاورهم لم يقرّروا شيئًا بعد.

*المثال:* من صبّ الخرسانةَ وطلب أن يبني عليها في الغد، هدم البناءَ والخرسانةَ معًا.

أربعُ عباراتٍ لا تُقال لمن يشكّ

العبارةلِمَ لا تُقال
«شبهةٌ قديمةٌ ردَّ عليها العلماء»تُلغي سؤالَه وشخصَه معًا. والعيبُ في الإحالة لا في المُحال عليه: قد يكون الجوابُ في كتب أهل العلم فعلًا، لكنّ الإخبارَ بوجوده ليس إيرادًا له — فأورِدْه، أو قل «لا أعرف»
«لو كنتَ مخلصًا لهُديت»تجعل بقاءَ شكّه حكمًا أخلاقيًّا عليه
«أنت لا تريد الحقّ، تريد الشهوة»حكمٌ على نيّةٍ لا تُرى، ولا سبيلَ لك إليه أصلًا؛ ومن ادّعى علمَ ما في الصدور ادّعى ما ليس له، فسقطت شهادتُه في غيره
«لا يوجد سؤالٌ ليس عندنا جوابُه»وعدٌ لا يُوفّى، وأوّلُ موضعٍ يخالفه يُسقط ما سواه

ولا تُخفَّف العبارةُ الثالثة بقولك إنّها «غيرُ صحيحةٍ في أكثر الحالات». فكلمةُ «أكثر» تعني أنّها صحيحةٌ في بعضها. فلا تكون قد أبطلتَ التهمة، بل نصحتَ بتركها لأنّها لا تنفع. وسيجلس محاورُك أمامك وهو يعلم أنّك تحمل في ذهنك احتمالًا معتبرًا أنّه كاذب، والناسُ يشعرون بذلك. والعلّةُ أعمقُ من النسبة: لا أحدَ منّا يملك أداةً يعرف بها نيّةَ رجلٍ بعينه. فالنسبةُ إلى من أمامك دعوى لا سندَ لها، قلَّت الحالاتُ أو كثرت؛ ونحن نحكم بالظواهر.

ولا تحمل في يدك أداةً مكسورة — ثلاثُ دعاوى شائعةٍ لا تصمد

ثلاثةُ أشياءَ تُساق في هذه المجالس، ولا تصمد عند الفحص:

١. «التفكيرُ التحليليّ يُضعف الإيمان». قيلت هذه الدعوى في تجربةٍ شهيرة (٢٠١٢). ثمّ أُعيدت التجربةُ إعادةً مباشرةً على عيّنةٍ أكبر (٢٠١٧)، فلم تصمد. وكانت الإعادةُ مسبقةَ التسجيل، أي أُعلنت طريقتُها قبل جمع النتائج، فلا يُغيَّر فيها شيءٌ بعد أن تُرى. وعنوانُ الإعادة نفسُه يقول: «لا شاهدَ على أنّ التفكيرَ التحليليّ يُنقص الاعتقادَ الدينيّ». وانتبه: الإعادةُ لا تُثبت العكس. فهي لا تقول إنّ التحليلَ يزيد الإيمان، بل تقول إنّ الدعوى الأصليّة بلا سند. فلا تحملها، ولا تحمل عكسَها.

٢. «العلمُ أثبت أنّ الدين وهمٌ صنعه الدماغ». التفسيرُ النشوئيّ لأصل الاعتقاد عند عالم الأنثروبولوجيا الفرنسيّ الأصل باسكال بواييه موضوعُه كيف نشأ الاعتقاد، لا الفصلُ في صدقه. وهذا وصفٌ لموضوع كتابه كما يظهر من بنائه، وليس تصريحًا منه بالحياد. بل هو يرى الدعاوى الدينيّة غيرَ قابلةٍ للتكذيب أصلًا. والانتقالُ من «كيف نشأ» إلى «إذن هو باطل» يُسمّى «مغالطةَ التكوين»: أن تحكم على صحّة فكرةٍ من طريقة نشأتها. وهذه القاعدةُ منّي، لا نقلٌ عنه. ومثالُها أن تقول إنّ خريطةً خاطئةٌ لأنّ راسمَها رسمها وهو غاضب؛ فالغضبُ يخبرك عن الراسم، لا عن صحّة الخريطة.

ونظيرُها في جهتنا: يُقال إنّ في الدماغ «جهازًا لكشف الفاعلين»، أي ميلًا إلى أن يرى وراء الحوادث فاعلًا قاصدًا، كمن يسمع حفيفًا في العشب فيظنّه حيوانًا. و«الفطرة» ثابتةٌ عندنا بالنصّ لا برصدٍ ولا بنظريّة، والمرادُ بها ههنا ما يولد عليه الإنسانُ من ميلٍ إلى الإقرار بخالق. فمن احتجّ بهذا الجهاز على الفطرة فقد استعمل نظريّةً صاحبُها مسيحيٌّ ملتزم، وقد بنى كتابَه على أنّها لا تُبطل المعتقدَ ولا تُثبته. فالذي لا يصمد الاحتجاجُ بالجهاز، لا الفطرةُ نفسُها.

٣. «لا أخلاقَ ولا مجتمعَ بلا دين». لا تقلها. فعالمُ النفس أرا نورنزايان أطروحتُه في دور الدين في بناء التعاون بين الناس، ومع ذلك يخصّص فصلًا لمجتمعاتٍ علمانيّةٍ بلغت التعاونَ نفسَه بمؤسّساتٍ بديلة. والذي سقط دعوى التلازم في انتظام التعاون الدنيويّ، لا مقصدُ الدين الأوّلُ عند أهله؛ فالعبوديّةُ والنجاةُ بابٌ لا يُوزن بميزان التعاون. ومن قال هذه الجملة أمام رجلٍ يعرف جارَه الملحدَ الأمين، خسر الحديثَ كلَّه في سطر.

وإن كنتَ أنت الشاكّ: كيف تحاور من يؤمن

والقواعدُ هي هي، لكنّها معكوسة. فمن درّب جهةً واحدةً على الحوار فقد حشدها لمعركة، ولم يعلّمها النظر.

١. ابدأ بالسؤال لا بالجواب. «ما الذي طمأنك أنت؟» تفتح. «هات دليلك» تُغلق. وقد تجد أنّ من تسأله لم يُسأل هذا السؤالَ من قبل، وقد يجيئك جوابٌ غيرُ الذي تتوقّعه — سيرةٌ، أو تجربةٌ، أو نظرٌ في نصّ. وليس في هذا حكمٌ منّي على ما عند الناس من أدلّة، ولا مسحٌ لها؛ وإنّما تنبيهٌ على أنّ السؤالَ يُخرج ما لا يُخرجه الاستجواب.

٢. لا تُفزِعه. ففزعُه يجعل سؤالَك تهديدًا لبيته وأهله ومكانه بين الناس، لا مسألةً في المعرفة. وستُغلق الأبوابُ كلُّها في دقيقتين.

٣. واقبل منه «لا أعرف». فإن قالها فقد أعطاك أصدقَ ما عنده، ومن عاقب محاورَه على صدقه علّمه الكذب. وهذا أثقلُ ما في هذه القواعد عليك: أنت تريد جوابًا، وهو أعطاك حدودَ علمه.

٤. وافصل الدينَ عمّن يُحسن ويسيء باسمه، بالقاعدة نفسِها التي طلبتَها لنفسك. فمن ردّ دعوى بأفعال أتباعها فقد وزن بالمعيار الذي قلتُ في الفصل الثاني والعشرين إنّه أضعفُ ما في الميزان، وهو أضعفُ في الجهتين.

٥. ولا تناظره أمام أهله. فالجمهورُ يعمل عليك كما يعمل عليه، وأنت في مجلسه أظهرُ.

٦. وأعطِه وقتًا، ولا تقِس الحديثَ بأنّه غيّر رأيه في جلسة. فمن قاسه بذلك جعله أداةَ غلبة — وهذا بعينه ما أعيبه على أهل الجهة الأولى.

وأربعُ عباراتٍ لا تُقال في هذه الجهة أيضًا:

  • «هذه خرافةُ صحراء»: سبٌّ للدين نفسِه لا اعتراضٌ عليه، تُلغي دينَه وشخصَه معًا.
  • «لو فكّرتَ لتركت»: تجعل بقاءَه على إيمانه حكمًا على عقله، وهي أختُ «لو كنتَ مخلصًا لهُديت» حرفًا بحرف.
  • «أنت خائفٌ من الموت لا مقتنع»: حكمٌ على نيّةٍ لا تُرى، وهي التهمةُ المقابلةُ سواءً بسواء.
  • «العلمُ حسم هذا»: وعدٌ لا يُوفّى، وأوّلُ موضعٍ يخالفه يُسقط ما سواه.

*وحدُّ هذه القواعد:* لا تُنتج اقتناعًا ولا تعد به. غايتُها أن تُبقي الحديثَ ممكنًا. ومن قاسها بأنّه أقنع أو لم يُقنع فقد جعلها أداةَ غلبة، والناسُ يشعرون بذلك أسرعَ ممّا يفحصون الحجّة.