٧. هل ضُبط الكونُ ضبطًا دقيقًا لتقوم الحياة؟
السؤال: يقول كثيرٌ من الناس إنّ ثوابتَ الكون لو تغيّرت قليلًا لما قامت حياة، ويسمّون هذا «الضبطَ الدقيق». فهل في بنية الكون ضبطٌ كهذا يدلّ على أنّه أُريد؟
الجوابُ باختصار:
- في قوانين الفيزياء أرقامٌ لا تستخرجها النظريةُ من نفسها، بل نقيسها ثمّ نضعها فيها بأيدينا.
- وبعضُ الحسابات المنشورة في مجلّاتٍ محكَّمة يُظهر أنّ تغييرَ بعض هذه الأرقام بنسبٍ قليلةٍ يُفسد إنتاجَ الكربون في النجوم. ولا ينكر أحدٌ أنّ هذه الحسابات أُجريت. أمّا سعةُ المدى المسموح فالمختصّون أنفسُهم مختلفون فيها: آدمز وستنجر وبارنز وغيرهم.
- وأمّا أن ننتقل من هذا إلى «فثمّ مصمِّم» فيحتاج أن نعرف شيئين: ما القيمُ الأخرى التي كان يمكن أن تقع، وما حظُّ كلٍّ منها. وهذا ما يسمّيه أهلُ الرياضيات «توزيعَ الاحتمال» على القيم الممكنة، وهو ما لا نملكه. فحالُنا كحال من يقول لك: هذا الرقمُ نادرٌ جدًّا، ولا يقول لك من أيّ قائمةٍ سُحب ولا كم رقمًا فيها.
- وأشهرُ ثلاثة أرقامٍ تُساق في هذا الباب بالعربية توصف بغير حقيقتها.
كثيرٌ ممّا يُكتب في هذا الباب بالعربية يُخطئ في هذه الأرقام، وبيانُ خطئها في صالح الحجّة لا ضدَّها. فالرقمُ الذي يُنقل بغير حقيقته لا يخسر نفسَه وحدَه حين يُكشف، بل يخسر معه ثقةَ القارئ في كلّ ما قرأ قبله وبعده. ومن بنى قناعتَه على رقمٍ، ثمّ فتح المرجعَ فوجد صاحبَه يقول غيرَ ما نُسب إليه، لم يخسر الرقمَ وحدَه، بل خسر الناقل.
في هذا الباب ثلاثةُ أرقامٍ مشهورةٍ تُنقل على غير وجهها. أبيّنها واحدًا واحدًا، ثمّ أقول ما يبقى بعدها. والأرقامُ بعد بيانها لا ترجّح قولًا على قول. والذي يبقى بعدها سؤالٌ، لا حجّة.
أوّلًا: الحقيقةُ التي لا نزاعَ فيها: أرقامٌ في القوانين لا تشتقّها النظرية
في قوانين الفيزياء أرقامٌ لا تعرفها القوانينُ نفسُها. فالقانونُ الفيزيائيُّ ليس رقمًا، بل صيغة: معادلةٌ تقول كيف يرتبط مقدارٌ بمقدار. والصيغةُ وحدها لا تكفي لتحسب بها شيئًا، فلا بدّ أن تضع فيها أعدادًا. وبعضُ هذه الأعداد يخرج من النظرية نفسِها، وبعضُها لا تعرفه النظريةُ أبدًا: تذهب فتقيسه في المعمل، ثمّ تعود فتكتبه في المعادلة بيدك. وهذا الصنفُ الثاني يسمّيه الفيزيائيّون «المعامِلَ الحرّ»: رقمٌ تتركه النظريةُ حرًّا فلا تُلزمه بقيمةٍ بعينها، فنأخذ قيمتَه من القياس.
والمثال: في مصنعٍ لوحةُ تحكّمٍ فيها سبعةُ مقابض للحرارة والضغط وسرعة السَّير. وكتيّبُ الجهاز مئةُ صفحةٍ تشرح كيف تعمل الآلةُ شرحًا تامًّا، ومع ذلك لا يقول في موضعٍ واحدٍ منه على أيّ درجةٍ يوضع كلُّ مقبض. تلك أرقامٌ مكتوبةٌ بخطّ اليد على ورقةٍ ملصقةٍ بجانب اللوحة، جاءت من التجربة لا من الكتيّب. والكتيّبُ ليس ناقصًا: هو يصف الآلة، والورقةُ تصف الضبط.
*وحدُّ هذا المثال:* مقابضُ المصنع نرى مداها بأعيننا، من الصفر إلى المئة، محفورًا على اللوحة. أمّا القيمُ التي كان يمكن أن تأخذها المعاملاتُ الكونية فلا نرى مداها ولا نعرف حدَّه. وهذا الجهلُ بعينه أخطرُ ما في المسألة كلِّها.
ومثالٌ ثانٍ أقربُ إلى البيت: «دقيقٌ وماءٌ وحرارة» هي قاعدةُ الخبز، ولكنّ القاعدةَ لا تقول لك: ثلاثةُ أجزاءٍ من الدقيق إلى جزءٍ من الماء. فإن سألتَ الخبّازَ من أين جاءت النسبة، لم يُحِلك على قانونٍ في الكيمياء، بل على تجربةٍ ورثها. القاعدةُ في الكتاب، والنسبةُ في اليد.
*وحدُّ هذا المثال:* الخبّازُ يُخرج خبزًا مقبولًا في مدًى واسعٍ من النسب، فنسبتُه مرنة. والدعوى في هذا الباب أنّ المدى المقبول في بعض المعاملات الكونية ضيّق. وضيقُ هذا المدى هو موضعُ النزاع، لا وجودُ المعامل الحرّ نفسِه.
فكم في الفيزياء من هذه المعاملات؟ هناك نظريّةٌ اسمُها «النموذج القياسيّ لفيزياء الجسيمات»، وهي التي تصف أصغرَ ما نعرف من الجسيمات وقواها. وفيها نحوُ عشرين معامِلًا حرًّا: كتلُ الجسيمات، وشدّاتُ القوى، و«زوايا الخلط» (وهي أرقامٌ تحدّد كيف يتحوّل بعضُ الجسيمات إلى بعض). ومعها معاملاتُ «النموذج الكونيّ المعياريّ»، وهو النظريةُ المعتمدةُ في تاريخ الكون. ومن معاملاته: كثافةُ المادّة، و«ثابتُ الكون» (وهو طاقةٌ في الفراغ نفسِه تدفع الكونَ إلى التمدّد)، ومقدارُ التذبذبات الأولى.
فما «التذبذباتُ الأولى»؟ كان الكونُ بعد الانفجار الأوّل بلحظاتٍ متجانسًا تقريبًا: كثافتُه واحدةٌ في كلّ مكانٍ تقريبًا. وكلمةُ «تقريبًا» هي المقصودة: ففيه تفاوتٌ طفيفٌ بين موضعٍ وموضع، مقدارُه نحوُ جزءٍ من مئة ألف (يُرمز له `Q ≈ 10⁻⁵`). ونرى هذا التفاوتَ اليومَ مطبوعًا في «إشعاع الخلفية الميكرويّ»، وهو ضوءٌ قديمٌ باقٍ من طفولة الكون يملأ السماءَ كلَّها. وهذا التفاوتُ بذرةُ كلّ بنيةٍ في الكون: الجاذبيةُ تشدّ المواضعَ الأكثفَ قليلًا فتزداد كثافةً، حتّى تصير مجرّاتٍ ونجومًا. فلو كان أصغرَ كثيرًا لبقيت المادّةُ غازًا مبعثرًا لا يتكتّل، ولو كان أكبرَ كثيرًا لتكتّلت الكتلُ بسرعةٍ فصارت ثقوبًا سوداء. فهو معامِلٌ يُقاس ولا تشتقّه النظريةُ من مبادئها، وهذا وحدَه ما أدّعيه فيه هنا. أمّا ضيقُ مداه فهو موضعُ النزاع نفسُه.
والعددُ نفسُه يختلف باختلاف ما تعدّه وكيف تعدّه: أتعدّ كتلَ «النيوترينوات»، وهي جسيماتٌ خفيفةٌ جدًّا؟ أتعدّ المعاملاتِ التي قيمتُها صفر؟ فمن ساق العددَ رقمًا حاسمًا فقد بالغ فيما لا يحتمل المبالغة.
وهنا أوّلُ حدٍّ للدعوى: أنّ المعامِلَ حرٌّ في نظريّتنا لا يعني بالضرورة أنّه حرٌّ في الواقع. فقد يكون في الطبيعة قانونٌ أعمقُ لم يُكتشف بعدُ يشتقّه اشتقاقًا، فيسقط عنه وصفُ «الحرّ». وقد وقع مثلُ هذا مرارًا: كانت أطوالُ موجات الضوء الذي يُطلقه الهيدروجين جدولًا يُقاس ويُكتب باليد، حتّى جاءت ميكانيكا الكمّ فاشتقّتها من مبادئها. فوجودُ المعامل الحرّ خبرٌ عن العالم، وهو كذلك خبرٌ عن حدود علمنا بالقدر نفسِه. وهذا وحدَه يكفي ليتريّث من أراد أن يبني عليه بناءً ثقيلًا. فلا يصحّ أن يُبنى سؤالٌ أخيرٌ على حرّية معاملٍ قد تزول غدًا.
ثانيًا: ثلاثةُ أرقامٍ مشهورةٍ توصف بغير حقيقتها، ولكلٍّ منها اسمُ خطئه
هذه الأرقامُ الثلاثة من أكثر ما يُساق في المقالات والمنشورات الدعويّة الشائعة في هذا الباب. وليس في واحدٍ منها كذبٌ متعمَّد، بل نقلٌ صحيحٌ ووصفٌ خاطئ. وهذا أخطرُ من الكذب، لأنّه ينجو من المراجعة: من راجع الرقمَ وجده صحيحًا، ولم ينتبه إلى أنّ الخطأ في وصفه.
| كما يُساق | وما هو فعلًا | اسمُ الخطأ |
|---|---|---|
| «مضبوطٌ بجزءٍ من ١٠^١٢٠» | فرقٌ بين تقديرٍ نظريٍّ وقياس، يتغيّر بتغيّر الموضع الذي يُوقَف عنده الحساب | فرقُ حسابٍ يُساق على أنّه دقّةُ ضبط |
| «٢٪ في القوّة النوويّة» | ٠٫٥٪ في القوّة النوويّة و٤٪ في قوّة كولوم عند أوبرهومر · و٢–٣٪ في كتلة الكوارك الخفيف عند إيبلباوم، وهي هامشُ نجاةٍ لا عتبةُ انهيار | خلطُ كمّيّتين، وقلبُ اتّجاه الثانية |
| «احتمالُ بنروز ١٠^(١٠^١٢٣)» | نسبةُ حجمٍ إلى حجمٍ في «فضاء الطور»، ولا تصير احتمالًا إلا بمسطرةٍ يختارها الحاسب | نسبةٌ لُبّست ثوبَ احتمال |
(أ) رقمُ «١٠^١٢٠»: فرقٌ بين حسابٍ وقياس، لا مقدارُ ضبط
الرقمُ صحيحٌ في موضعه، والخطأُ في وصفه. وأصلُه حسابٌ في «نظرية الحقول الكمّيّة»، وهي أدقُّ ما نملك في وصف الجسيمات وقواها. وبهذه النظريّة نحسب «طاقةَ الفراغ»، أي الطاقةَ الكامنةَ في المكان الخالي نفسِه. فإذا حسبناها إلى مستوى طاقةٍ هائلٍ يسمّى «مقياسَ بلانك»، خرجت قيمةٌ تفوق القيمةَ المرصودةَ لثابت الكون بنحو مئةٍ وعشرين رتبةً عشرية.
والرتبةُ العشرية ضربٌ في عشرة: رتبتان مئةُ ضعف، وثلاثُ رتبٍ ألفُ ضعف. فمئةٌ وعشرون رتبةً معناها أنّ الحسابَ أكبرُ من القياس بعددٍ من الأضعاف هو واحدٌ وبعده مئةٌ وعشرون صفرًا. وهذا ليس فرقًا كبيرًا فحسب، بل فرقٌ لا يشبهه شيءٌ تعرفه. وهو أشهرُ مشكلةٍ مفتوحةٍ في الفيزياء النظرية، ولا أحدَ ينكره.
لكنّه ليس ضبطًا قِيس في الكون، بل فرقٌ بين حسابين: حسابٍ نظريٍّ نعلم أنّه ناقص، وقياسٍ نثق به. والدليلُ على أنّه ليس رقمَ دقّةٍ مرصودًا أنّه يتغيّر بتغيّر الموضع الذي نوقف عنده الحساب.
و«المقياسُ» هنا معناه حدُّ الطاقة الذي نثق بأنّ نظريّتنا تصدق إليه، ثمّ لا ندري ما بعده. فهو كسُلّمٍ نعرف درجاتِه إلى الرابعة ولا ندري ما فوقها، والحسابُ يسألك: إلى أيّ درجةٍ أعدّ؟ فإن أوقفتَ الحسابَ عند «مقياس بلانك» خرج نحوُ ١٠^١٢٠، وإن أوقفتَه عند درجةٍ أدنى تسمّى «المقياسَ الكهروضعيف» خرج نحوُ ١٠^٥٥. والكونُ لم يتغيّر بين الحسابين؛ إنّما تغيّر افتراضُنا عن الموضع الذي تنتهي عنده نظريّتُنا.
وليس هذا إبطالًا للمسألة من أصلها. فلا يصحّ أن يُقال: «الرقمُ يقيس جهلَنا لا صنعةَ الكون»، لأنّ هذه قسمةٌ ثنائيةٌ باطلة: تفترض أنّ الأمرَ إمّا ضبطٌ مرصودٌ في الكون وإمّا مقدارٌ لجهلنا، ولا ثالثَ لهما. والحالُ أنّ هنا ثالثًا: يبقى في ثابت الكون مسألةُ إلغاءٍ حقيقيّةٌ في النظرية. ومؤدّاها أنّ القيمةَ المرصودة تقتضي أن تتلاقى في الحساب مقاديرُ كبيرةٌ فيلغي بعضُها بعضًا إلغاءً دقيقًا. ويسمّي الفيزيائيّون هذه المسألةَ «الطبيعيّة». وهذا حكمٌ على النظرية، لا احتمالٌ يُحسب على العالم. فالذي يسقط هو أن يُقدَّم «١٠^١٢٠» على أنّه رقمُ ضبطٍ مقصود. أمّا المسألةُ نفسُها فباقية.
والمثال: تقول لمهندسٍ: قدِّر لي كلفةَ بناء هذا البيت من غير أن تنزل إلى السوق. فيحسب بأسعارٍ قديمةٍ عنده ويقول: مئةُ مليون. ثمّ تأتي الفاتورةُ الفعليّة: مئةُ ألف. فالفرقُ ألفُ ضعف. فماذا يقيس هذا الفرق؟ يقيس خطأ التقدير، لا دقّةَ البنّاء ولا براعتَه.
*وحدُّ هذا المثال:* المثالُ مبنيٌّ على أنّنا نعلم أنّ التقديرَ هو الخطأ، ونعلم الرقمَ الصحيح ومصدرَ الغلط. أمّا في مسألة طاقة الفراغ فلا نعرف أين الخطأ، ولذلك بقيت مشكلةً مفتوحةً منذ عقود. فالمثالُ يُريك صورةَ الاحتمال الذي أرجّحه، ولا يبرهن عليه. ومن ساقه برهانًا فقد وقع في «المصادرة على المطلوب»: أن تضع النتيجةَ التي تريد إثباتها في أوّل دليلك.
وفي المسألة نفسِها حسابٌ آخرُ صحيح: حسب الفيزيائيُّ الأمريكيُّ ستيفن واينبرغ سنة ١٩٨٧ حدًّا أعلى لثابت الكون، من شرطٍ فيزيائيٍّ واضح: أنّ المجرّات لا تتكوّن إن زاد ثابتُ الكون عن قدرٍ معلوم.
ولهذا الحدّ رقمٌ معروف: فحدُّ واينبرغ يعلو القيمةَ المرصودة بنحو رتبةٍ عشريّةٍ إلى ثلاث رتب بحسب التقدير، أي بعاملٍ من عشرةٍ إلى ألف، لا بمئةٍ وعشرين رتبة. وهذا هو الرقمُ الحقيقيُّ للحجّة في هذا الموضع، وهو أقلُّ إبهارًا بما لا يُقاس من الرقم الذي يُساق. ومن ساق ١٠^١٢٠ وسكت عن هذا، ساق الأكبرَ وترك الأصدق.
وهذا حسابٌ حقيقيٌّ ذو قيمة، ولكن انتبه إلى ثمنه: الحدُّ الأعلى لا يصير تنبّؤًا بالقيمة إلا إذا افترضنا كيف تتوزّع القيمُ داخل المدى المسموح. وصورةُ ذلك: يُقال لك إنّ طولَ كلّ طالبٍ في مدرستك لا يزيد على مترين، وهذا صحيح. فإن أردتَ أن تتنبّأ بطول طالبٍ بعينه، لم يكفك هذا الحدّ؛ احتجتَ أن تعرف كيف تتوزّع الأطوالُ تحته: كم منهم قصير، وكم متوسّط، وكم طويل.
وواينبرغ أخذ هذا التوزيعَ من فرض «الأكوان المتعدّدة»: أنّ كونَنا واحدٌ من أكوانٍ كثيرةٍ تختلف ثوابتُها. فحسابُه يشتري قوّتَه بافتراضٍ لا نملكه. ومن ساقه دليلَ ضبطٍ بلا هذا القيد ساق نصفَ الورقة.
ثمّ انظر ماذا صنع به صاحبُه: ساقه تعليلًا بالانتقاء في كونٍ متعدّد. ومعنى ذلك أنّ في الأكوان الكثيرة قيمًا شتّى لثابت الكون، وأنّنا لا نجد أنفسَنا إلا في كونٍ تسمح قيمتُه بتكوّن المجرّات. ولم يسقه دليلًا على مصمِّم، وواينبرغ مصرّحٌ بإلحاده لا يُخفيه. فمن نقل الرقمَ فليذكر أنّ صاحبَه ساقه في اتّجاهٍ آخر، ولا يَنسب إليه ما لم يقله. أمّا أن يخالفه في التأويل فحقٌّ له، بشرط أن يبيّن أنّ التأويلَ تأويلُه هو، وأن يقيم عليه دليلَه بنفسه. وخلطُ الأمرين نقلٌ يُكشف في دقيقةٍ بمحرّك بحث.
وصحّةُ الحساب مستقلّةٌ عن تأويل صاحبه. فمخالفةُ صاحب الرقم في النتيجة ليست خطأً في نفسها، وأنا أخالف واينبرغ في تفسيره وآخذ حدَّه. والخطأُ شيءٌ آخر: أن يُنسب إلى الرجل ما يصرّح بخلافه، أو أن يُستعار وجهُه لتأويلٍ ليس تأويلَه. وهذه القاعدةُ تجري على كلّ رقمٍ يُنقل.
(ب) رقمُ «٢٪ في القوّة النوويّة»: كمّيّتان مختلفتان جُمعتا في جملةٍ واحدة
هذا الرقمُ أشدُّ الثلاثة انتشارًا وأقلُّها تحقيقًا. والصوابُ أنّ في الأبحاث المنشورة رقمين مختلفين لكمّيّتين مختلفتين، جُمعا في عبارةٍ واحدةٍ لا يقولها بحثٌ منشور:
- أوبرهومر وزملاؤه (٢٠٠٠) حسبوا أثرَ تغيير شدّة القوّة النوويّة في صناعة الكربون والأكسجين داخل النجوم ١. وهي القوّةُ التي تعمل بين «النويّات»، أي البروتوناتِ والنيوتروناتِ التي في قلب الذرّة. فوجدوا نافذةً مزدوجة: نحوُ ٠٫٥٪ في شدّة القوّة النوويّة، و٤٪ في قوّة كولوم، وهي القوّةُ الكهربائيّة التي تُنفّر الشحناتِ المتشابهة. والنقلُ العربيُّ يسوق الأولى وحدَها ويسكت عن الثانية. وحذفُ نصف النافذة تحريفٌ لها، فالرقمُ يُنقل بحدوده أو لا يُنقل.
- والأثرُ الذي وجدوه أشدُّ من مجرّد اختلالٍ في النسبة بين الكربون والأكسجين: نصُّ الورقة أنّ إنتاجَ الكربون أو الأكسجين في النجوم ينقص بعاملٍ من ثلاثين إلى ألف. فهذا نقصٌ بثلاث رتبٍ عشريّة، لا انزياحُ نسبة. وتصغيرُ الأثر عن حقيقته خطأٌ كتكبيره عنها، فالدقّةُ تجري على الجهتين أو لا تجري.
- إيبلباوم وزملاؤه (٢٠١٣) حسبوا مسألةً أخرى: أثرَ تغيير كتلة «الكوارك الخفيف». والكواركاتُ جسيماتٌ أصغرُ تُبنى منها البروتوناتُ والنيوترونات. وكتلتُها معامِلٌ في النموذج القياسيّ، وهو معامِلٌ أعمقُ درجةً من شدّة القوّة بين النويّات. وخلصوا إلى أنّ تغييرًا بنحو ٢–٣٪ «من غير المرجَّح أن يكون كارثيًّا» على تكوّن الكربون والأكسجين. وأسوأُ تقديراتهم تُبقي الحياةَ القائمةَ على الكربون ممكنةً مع انزياحٍ لا يقلّ عن ٠٫٧٪. فالرقمُ عندهم هامشُ نجاةٍ لا عتبةُ انهيار: أي أنّ الحياةَ تبقى ممكنةً مع تغييرٍ بهذا القدر، لا أنّ ما زاد عليه يُهلكها. ومن ساقه عتبةَ انهيارٍ نسب إليهم نقيضَ جملتهم. وأمّا صيغةُ «أكثرُ من ٢–٣٪ يوقع في مشكلة» فمصدرُها بيانٌ صحفيٌّ جامعيٌّ مرافقٌ للورقة، لا متنُ الورقة نفسِها. والعبرةُ بما في الورقة المحكَّمة لا بعبارة البيان.
والكمّيّتان ليستا شيئًا واحدًا، وبينهما سلسلةٌ طويلة. وصورتُها سلسلةُ الأسعار: سعرُ القمح يدخل في سعر الدقيق، وسعرُ الدقيق يدخل في سعر الرغيف، وسعرُ الرغيف يدخل في سعر الشطيرة. ولا يعني ارتفاعُ القمح ٢٪ أنّ الشطيرةَ ترتفع ٢٪؛ فقد ترتفع نصفَ ذلك أو ضعفَيه. وكذلك هنا: كتلةُ الكوارك تدخل في كتلة «البايون» (وهو جسيمٌ مركّبٌ من الكواركات)، وكتلةُ البايون تدخل في القوّة بين النويّات دخولًا غيرَ متناسب (أو كما يقول أهلُ الرياضيات: «غيرَ خطّيّ»)، والقوّةُ بين النويّات تدخل في سرعة التفاعل داخل النجم. فنقلُ رقمٍ من طرف السلسلة إلى طرفها الآخر تحريفٌ، وإن تقاربت الأرقام.
والمثال: قال لك طبيب: «زيادةُ ملعقةٍ من الملح يوميًّا ترفع ضغطك». وقال آخر: «زيادةُ ملعقتين من صلصةٍ جاهزةٍ ترفع ضغطك». فجاء ثالثٌ فقال: «ملعقتان من الملح ترفعان الضغط». الجملةُ الثالثة لم يقلها أحدٌ منهما. والفرقُ بين الملح والصلصة ليس فرقًا في الرقم، بل في المادّة التي تُقاس. فإن التبس عليك المنقول، لم تعرف أيَّ الملعقتين تُنقص من طعامك.
*وحدُّ هذا المثال:* الملحُ والصلصةُ تفصل بينهما بالنظر في الصحن. أمّا كتلةُ الكوارك وشدّةُ القوّة النوويّة فلا يفصل بينهما إلا من قرأ الورقتين، ولذلك بقي هذا الخلطُ عشرين سنة.
والشقُّ الثالث من الدعوى الشائعة منازَعٌ فيه في الأبحاث المنشورة. يُقال كثيرًا: «لو زادت القوّةُ النوويّة بنحو ٢٪ لارتبط البروتونان معًا، فاحترق الهيدروجينُ كلُّه في الدقائق الأولى، فلا ماءَ ولا نجومَ من نوع شمسنا». وارتباطُ البروتونين يسمّى «الديبروتون»: بروتونان ملتصقان. وهما في كوننا لا يلتصقان، والكلامُ هنا في كونٍ افتراضيٍّ يلتصقان فيه.
وهذا حدُّ ما تقوله ورقةُ برادفورد (٢٠٠٩) في المسألة. يقول الباحثُ برادفورد إنّ ثباتَ الديبروتون لا يُفني الهيدروجين في التخليق النوويّ الأوّل، أي في تكوّن نوى الذرّات الأولى في الدقائق الأولى بعد الانفجار. فيبقى الكونُ الأوّلُ على نحو ٧٥:٢٥ من الهيدروجين والهيليوم، وهذا ينقض الشقَّ الشائعَ من الدعوى. وأمّا في باطن النجوم فيفتح ثباتُ الديبروتون طريقًا لتحويل البروتونات إلى «ديوترونات»، والديوترونُ نواةٌ من بروتونٍ ونيوترون. وهذا الطريقُ لعلّه أسرعُ بنحو عشر رتبٍ من الطريق البطيء المعتاد، الذي يسمّى «الأسرَ الضعيف». فلا تقوم النجومُ من صنفها المألوف الحارّ الكثيف، كشمسنا.
لكنّ خلاصتَه لا تقف عند هذا. فهو يرى أنّ نجومًا أبردَ وأقلَّ كثافةً تستوفي شروطَ الاستقرار الأوّليّة، وقد تعيش مليارات السنين بلمعانٍ وحرارةِ سطحٍ تصلحان لاحتضان الحياة. ويقول إنّ «دعوى حدٍّ أنثروبيٍّ أعلى مضبوطٍ على القوّة الشديدة يضمن عدمَ استقرار الديبروتون تبدو بلا أساس». و«الأنثروبيّ» نسبةٌ إلى الإنسان: أي الحدُّ الذي يُستخرج من شرط وجودنا نحن. فالنجومُ تظلّ ممكنةً عنده، ولكن لا من صنف شمسنا. وقولُ «النجومُ تظلّ ممكنة» موافقٌ لخلاصته بنصّ ملخّصه، لا نقيضٌ لها. ولا يدّعي برادفورد القطع، فهو يقول: «لا نزعم أنّنا نقدّم هنا جوابًا فاصلًا»، وينبّه إلى أنّ زيادةً في الشدّة أكبرَ من ٤٠٪ بكثير تُقلّص الهيدروجين، لأنّ الديوترونَ يثبت حينئذٍ قبل أن تتمّ الثانيةُ الأولى من عمر الكون؛ ولا شأنَ للديبروتون في ذلك.
وعبارةُ «لا كارثةَ ديبروتون» ليست لبرادفورد، بل للفيزيائيّ الفلكيّ لوك بارنز وحدَه، في ورقةٍ منشورةٍ في مجلّةٍ محكَّمةٍ سنة ٢٠١٥. والورقتان تلتقيان في إمكان النجوم، وتفترقان في تفصيلها.
ولا يُقال إنّ الدعوى الشائعة «مردودةٌ في مجلّةٍ محكَّمةٍ منذ سنين»، فهذا أقوى ممّا تحتمله الورقة. هي ورقةٌ واحدة، لمؤلّفٍ منفرد، في مجلّةٍ ليست من كبريات مجلّات هذا الحقل. وكلُّ ورقةٍ تغيّر معامِلًا واحدًا وتثبّت ما سواه تُقرأ بحذر، وهذه الورقةُ منها. فلا يجوز أن تصير الورقةُ «ردًّا منشورًا» حين توافق هوانا، و«نموذجًا محدودًا» حين تخالفه. والأبحاثُ في المسألة أوسعُ منها: فللباحثَين ماكدونالد ومولان في السنة نفسِها ورقةٌ ثانيةٌ تردّ الدعوى الشائعة، وتوافق برادفورد في التخليق النوويّ الأوّل ولا تنازعه. فالهيدروجينُ عندهما يبقى بكمّيّاتٍ معتبرةٍ مع زيادةٍ في القوّة الشديدة أكبرَ بكثيرٍ ممّا تفترضه تلك الدعوى، وتحلّلُ الديبروتون قد يرفع عندهما وفرةَ الديوتيريوم، وهو الهيدروجينُ الذي نواتُه ديوترون. فالصوابُ أن يُقال: نُوزعت هذه الدعوى في أبحاثٍ منشورة، وتفصيلُها مختلَفٌ فيه؛ لا أنّها مردودة.
وقيدٌ ثالثٌ يسري على الأرقام الصحيحة كلِّها: هذه النماذجُ تغيّر معامِلًا واحدًا وتُثبّت ما سواه. وهذا صحيحٌ في منهج البحث، لكنّ نتيجتَه لا تُقرأ «لو اختلف الكونُ لانهار»، بل تُقرأ: «لو اختلف هذا المعامِلُ وحدَه وبقي كلُّ شيءٍ آخرَ كما هو، لاختلّت هذه العمليّة». وقد يتغيّر معامِلان معًا فيُصلح أحدُهما ما أفسده الآخر. وقد مسح الفيزيائيُّ الأمريكيُّ فريد آدمز سنة ٢٠١٩ المدى المسموحَ في ثوابت الفيزياء مسحًا كمّيًّا، فوجد أنّ النجوم تتكوّن في مدًى أوسعَ كثيرًا ممّا يُتداول، وأنّ عدّةَ أرقامٍ مشهورةٍ في هذا الباب مبالَغٌ فيها. وهذا باحثٌ في صميم التخصّص يضيّق الدعوى ولا يوسّعها، ومن أراد أن يكون أمينًا ذكره.
وفي الجهة الأخرى يرى الفيزيائيُّ الأمريكيُّ فكتور ستنجر، في كتابٍ منشورٍ سنة ٢٠١١، أنّ المدى المسموح أوسعُ ممّا يُقال، وأنّ النماذجَ التي تغيّر المعاملاتِ معًا تُبطل كثيرًا من الأرقام الشائعة. ودعواه على الأرقام وعلى الاستدلال المبنيّ عليها، لا إنكارٌ لوجود معاملاتٍ حرّةٍ في القوانين. وقد ردّ عليه لوك بارنز سنة ٢٠١٢ بمراجعةٍ مطوّلة.
ولا آخذ بأوسع ما ذهب إليه ستنجر، ولا أنسب إليه صيغةً لا يقولها. ومنهجُ تغيير المعاملات معًا هو بعينه الذي أمدحه عند آدمز. وهو نفسُه ما يُبطل دعوى ضيق المدى إن جاء بنوافذَ واسعة، فلا يصير عيبًا حين يحمله من يخالفني. وحدُّ ما تقوله مراجعةُ بارنز عن نفسها أنّ كثيرًا من دعاوى ستنجر «إشكاليّةٌ جدًّا»، أي أنّها تعترض على دعاويه، لا أنّها «تُثبت الضبط». وأمّا امتناعُها عن النتيجة اللاهوتيّة فمنصوصٌ عليه: يقول بارنز صراحةً إنّه لا يحاول الدفاع عن أيّ نتيجةٍ مبنيّةٍ على ضبط الكون للحياة العاقلة. وبارنز هو الرادُّ على ستنجر لا الموافقُ له، فامتناعُه عن هذه النتيجة شهادةٌ على نفسه، وهي أثقلُ في الميزان من جملة خصم.
فالميزانُ الأمين إذن: الظاهرةُ موضعُ بحثٍ جادّ، وأكثرُ الأرقام المتداولة بالعربية أوسعُ ممّا تحتمله الأوراقُ التي تُنسب إليها. وأمّا وصفُ المدى بأنّه «ضيّق» أو «واسع» فحكمٌ يحتاج مقياسًا لا نملكه؛ فلا أُطلقه.
(ج) «احتمالُ بنروز»: نسبةٌ بين حجمين لُبّست ثوبَ احتمال
الرقمُ في كتاب الرياضيّ والفيزيائيّ البريطانيّ روجر بنروز صحيحُ النقل: عشرةٌ مرفوعةٌ إلى ١٠^١٢٣. واقرأه هكذا حتّى تراه: اكتب واحدًا وضع بعده ١٢٣ صفرًا، فهذا عددٌ ضخم. ثمّ اجعل هذا العددَ نفسَه عددَ الأصفار التي تُكتب بعد الواحد. لا يسع الورقُ كتابتَه، ولا تكفي ذرّاتُ الكون المرئيّ كلُّها لأصفاره.
فالرقمُ صحيح، والخطأُ في ثلاثة مواضعَ معًا:
الأوّل: ليس احتمالًا. هو نسبةُ حجمٍ إلى حجمٍ في «فضاء الطور»، وهو فضاءٌ رياضيٌّ تُمثَّل فيه كلُّ الحالات الممكنة للكون، كخريطةٍ كلُّ نقطةٍ فيها حالةٌ ممكنة. والنسبةُ هي بين حجم الحالات التي تشبه حالةَ كوننا في بدايته، وحجم الحالات كلِّها. وقسمةُ حجمٍ على حجمٍ لا تصير احتمالًا إلا إذا كانت عندنا قاعدةٌ مبرَّرةٌ تقول إنّ الحالات كلَّها كان لها الحظُّ نفسُه، كأنّها سُحبت بالتساوي. وهذه القاعدةُ هي المفقودة.
والمثال: أنت في مكتبةٍ فيها مليونُ كتاب، وفي واحدٍ منها توقيعُ مؤلّفه. أن تقول: «الكتبُ الموقَّعة نسبتُها واحدٌ من مليون» صحيحٌ تمامًا، وهو خبرٌ عن المكتبة. وأن تقول: «احتمالُ أن يكون الكتابُ الذي في يدي الآن موقَّعًا واحدٌ من مليون» خبرٌ آخر، ولا يصحّ إلا إذا كنتَ سحبتَه سحبًا أعمى متساويًا. فلو أنّ أمينَ المكتبة ناولك إيّاه لأنّه الموقَّع، بقيت النسبةُ صحيحةً وبطل الاحتمالُ تمامًا. النسبةُ خبرٌ عن الرفوف، والاحتمالُ خبرٌ عن يدك.
*وحدُّ هذا المثال:* في المكتبة نعرف عددَ الكتب، ونعرف كيف وصل الكتابُ إلى يدنا. أمّا في فضاء حالات الكون فالنزاعُ في المسطرة نفسِها التي نقيس بها الحجوم. فالمثالُ يُريك الفرقَ بين النسبة والاحتمال، ولا يفصل في النزاع.
الثاني: المسطرةُ لا تصلح إلا باختيارٍ يُبرَّر. و«المقياسُ» هنا معنًى غيرُ مقياس الطاقة الذي مرّ بك: هو المسطرةُ التي نقيس بها «حجمَ» كلّ منطقةٍ من الحالات الممكنة، فنعرف كم حظُّها. ولا يصحّ أن يُقال إنّ نسبةَ حجمٍ إلى حجمٍ تقتضي أن يكون الحجمُ الكلّيُّ متناهيًا. فنِسَبُ اللانهائيّات تُؤخذ فعلًا بطريقةٍ تسمّى «التنظيم» (regularization): تقتطع جزءًا متناهيًا، وتحسب فيه النسبة، ثمّ توسّع القطعةَ وترى إلى أين تؤول النسبة. فالعلّةُ ليست أنّ النسبةَ ممتنعة، بل أنّها تتبع طريقةَ التنظيم.
وهذا مثالٌ يُريك الأمرَ بعينك: ما نسبةُ الأعداد الزوجيّة إلى كلّ الأعداد الطبيعيّة؟ الجوابُ البديهيّ: النصف. وهو صحيحٌ إن عددتَ على الترتيب المألوف: ١، ٢، ٣، ٤، … فتجد في كلّ قطعةٍ نصفَها زوجيًّا، وتؤول النسبةُ إلى ٠٫٥. لكن رتّبها هكذا: ١، ٢، ٤، ٣، ٦، ٨، ٥، ١٠، ١٢، … أي فرديٌّ ثمّ زوجيّان. وهي الأعدادُ نفسُها، لم يسقط منها واحدٌ ولم يُزَد فيها واحد. فإن عددتَ على هذا الترتيب وجدتَ في كلّ قطعةٍ ثلثيها زوجيًّا، وآلت النسبةُ إلى الثلثين. وبترتيبٍ ثالثٍ تصل إلى العُشر، وبرابعٍ إلى تسعة أعشار.
فالنسبةُ لم تكن ممتنعة، بل كانت تابعةً للترتيب. والترتيبُ ليس في الأعداد، بل في يد العادّ. ولو تنازع رجلان فقال أحدهما «النصف» وقال الآخر «الثلثان»، لم يستطع أحدٌ أن يفصل بينهما حتّى يتّفقا على سببٍ يجعل هذا الترتيبَ أولى من ذاك. وهذه بعينها حالُ فضاء حالات الكون: من قال «النسبةُ ١٠^(−١٠^١٢٣)» فقد اختار ترتيبًا يعدّ به، ولم يبرهن أنّ ترتيبَه هو الترتيبُ الصحيح.
وصورةُ المسألة في مدرستك: إن سُئلتَ «ما حظُّ أن يكون طولُ طالبٍ في فصلك فوق المتر والثمانين؟» فللسؤال جواب: تعدّ طلّابَ فصلك وتقيسهم. فإن سُئلتَ «ما حظُّ أن يكون طولُ إنسانٍ فوق المتر والثمانين، من كلّ إنسانٍ يمكن أن يوجد؟» لم تجد قائمةً تعدّها، ولا مسطرةً متّفقًا عليها تقيس بها. والسؤالُ الثاني هو سؤالُ الأكوان الممكنة بعينه.
وقد بحث الفيزيائيّان غاري غيبونز ونيل توروك سنة ٢٠٠٨ هذا السؤالَ في علم الكون: بأيّ مسطرةٍ نقيس الأكوانَ الممكنة؟ فبيّنا أنّ معادلاتِ الكون نفسَها تفرض مسطرةً تسمّى «المقياسَ القانونيّ» على مجموعة الحلول الكونيّة. وقد وجدت دراساتٌ سابقةٌ أنّ هذه المسطرةَ تعطي حجمًا لا نهايةَ له، وأرجع غيبونز وتوروك هذا اللانهائيَّ إلى خاصّيّةٍ في الأكوان المسطّحة من نماذج فريدمان، وهي النماذجُ المعتمدةُ لكونٍ متجانسٍ يتمدّد. والخاصّيّةُ ثباتُها تحت «التحجيم» (dilatation invariance): أنّها تبقى على صورتها إذا ضُربت أطوالُها كلُّها في عددٍ واحد. والتحجيمُ هنا تحويلٌ رياضيٌّ في المعادلات، لا تمدّدُ الكون الذي نرصده. وبيّنا طريقةً لإزالة هذا اللانهائيّ: هناك أكوانٌ بالغةُ الاستواء لا يستطيع أيُّ رصدٍ أن يفرّق بينها، فتُعدّ كلُّها كونًا واحدًا. وهذا التوحيدُ قرارٌ يختاره الحاسب.
ولا بدّ أن نحدّد بدقّةٍ ما يقولانه. فهما لا يقولان إنّ النتائجَ تتبع هذا الاختيار. وإنّما يقولان إنّ مقياسَهما لا يكاد يتأثّر بتفاصيل هذا التوحيد في بعض المقادير التي تهمّ. وهذا عندهما فضيلةٌ لمقياسهما، لا عيب. أمّا نتيجتُهما الرئيسة فتجري في اتّجاهٍ آخر، وهي في خاتمة ملخّصهما. و«التضخّمُ» فرضٌ في علم الكون: أنّ الكونَ تمدّد في أوّل جزءٍ من الثانية تمدّدًا هائلًا سريعًا. ويُساق أحيانًا لإسقاط دعوى الضبط، إذ يُقال إنّه يجعل الكونَ مستويًا بلا حاجةٍ إلى ضبط. وقد وجد غيبونز وتوروك أنّ احتمالَ التضخّم في أبسط نماذجه يُكبت كبتًا شديدًا كلّما طال التضخّم (وصيغتُه عندهما exp(−3N)، وN عددُ مضاعفات التمدّد). فنتيجتُهما تجري ضدّ من يسوق التضخّمَ ليُسقط به دعوى الضبط، لا معه. وورقتُهما محاولةٌ لعلاج مشكلة المقياس، فلا تُساق شاهدًا على أنّها مستعصية.
وقيدٌ ثانٍ: مقياسُ غيبونز وتوروك مقياسٌ على مجموعة الحلول الكونيّة، وأشهرُ نتائجه أنّ احتمالَ عددٍ كبيرٍ من مرّات التضخّم مكبوتٌ كبتًا شديدًا. وليس مقياسًا على فضاء الطور الابتدائيّ الذي يحسب فيه بنروز. فالاستشهادُ به في مسألة بنروز تقريبٌ لا انطباق.
فماذا يبقى من الاعتراض؟ تبقى مسألةُ المقياس نفسُها، وهي مشكلةٌ معترَفٌ بها في علم الكون، وقائمةٌ بلا حاجةٍ إلى غيبونز وتوروك. ومؤدّاها أنّ النسبةَ معلّقةٌ على تبرير مسطرة، ومثالُ الأعداد الزوجيّة يكفي لإفهامها. أمّا أنّ «النتائج تتبع الاختيار» فلا يُنسب إليهما، لأنّهما لا يقولانه.
الثالث، وهو أثقلُها في ميزان الأمانة: بنروز يسوق رقمَه لغرضٍ مضادّ. فهو لا يقدّمه حجّةَ تصميم؛ يقدّمه بيانًا لضخامة اللغز، ثمّ يطلب له تفسيرًا فيزيائيًّا. وقد اقترح هذا التفسيرَ بنفسه سنة ١٩٧٩ باسم «فرضيّة انحناء فايل». وهي قانونٌ يفرض على أيّ بدايةٍ كونيّةٍ شرطًا هندسيًّا، فتكون «الإنتروبيا» في البداية منخفضةً بحكم القانون، لا بحكم المصادفة. والإنتروبيا مقدارُ الفوضى: الغرفةُ المرتّبةُ إنتروبياها منخفضة، والمبعثرةُ إنتروبياها عالية. وبنروز يريد قانونًا يفسّر لماذا بدأ الكونُ مرتّبًا.
وفي كتابه شكلٌ إيضاحيٌّ: يدٌ تضع دبّوسًا في نقطةٍ من فضاء الطور، ولفظُ «الخالق» وارد في صفحته. وهي من رسمه هو؛ واللهُ سبحانه لا صورةَ له ولا جارحة، ولا يُشبهه شيء. ومقصودُ الشكل عنده تصويرُ ضآلة المنطقة المطلوبة لا السخرية، فلا يُوصف بها، فذاك إفراطٌ في النقل. ويكفي أنّ بنروز يطلب تفسيرًا فيزيائيًّا، فهذا وحدَه يكسر الدعوى ولا يحتاج زيادة.
فمن نقل الرقمَ ونسب إلى بنروز أنّه ساقه دليلًا على مصمِّم، فقد نسب إليه ما يصرّح بخلافه. ومن شاء أن يخالف بنروز في النتيجة فذلك حقُّه، فمخالفةُ صاحب الحساب ليست خطأً في نفسها. لكن عليه حينئذٍ أن يقيم الدليلَ بنفسه، ولا يستعير لتأويله وجهَ صاحب الرقم.
ومع الرقم دعوى ثالثةٌ تخالف الواقع: أنّ «العلمَ لا يملك تفسيرًا، فلم يبقَ إلا التصميم». والتفسيرُ الفيزيائيُّ مطروحٌ منذ سنة ١٩٧٩، ومن صاحب الرقم نفسِه. وقد يكون خطأً، ففرضيّةُ انحناء فايل لم تُثبت؛ لكنّ وجودَ مرشَّحٍ مطروحٍ يُبطل دعوى «لم يبقَ إلا».
ولا تُعفى فرضيّةُ فايل ممّا يُجرى على غيرها. فهي قانون، والقانونُ يُسأل: ولماذا هذا القانونُ دون غيره؟ وحجّةُ «السؤالُ ينتقل ولا يُلغى» تسري على فرضيّة فايل بحرفها. وفرضيّةُ فايل تُبطل دعوى «لم يبقَ إلا التصميم»، ولا ترجّح نفسَها على ما سواها. ومن رحّب بها ثمّ ردّ المولِّدَ الكونيَّ بالحجّة نفسِها، فقد كال بمكيالين.
ثالثًا: مشكلةُ المقياس: لماذا لا يعني «المدى الضيّق» أنّ الاحتمالَ صغير؟
هذا هو الاعتراضُ الأمتنُ في الباب كلِّه، وأقلُّه ذكرًا في الكتابة العربية. صاغه الفيلسوفان تيموثي ولِيديا ماكغرو، ومعهما إريك فيستروب، سنة ٢٠٠١ في مجلّة *Mind* الفلسفيّة. وصياغتُه في سطر:
دعوى «المدى الذي يسمح بالحياة ضيّقٌ جدًّا» تفترض أنّنا نعرف المدى الكلّيّ الذي كان يمكن أن تقع فيه القيمة. فإن كان ذلك المدى غيرَ متناهٍ، فلا يمكن أبدًا أن تُوزَّع عليه الحظوظُ بالتساوي توزيعًا «قابلًا للتسوية». والتوزيعُ «القابلُ للتسوية» هو الذي يبلغ مجموعُ حظوظه مئةً في المئة. فإن أعطيتَ كلَّ جزءٍ من المدى نصيبًا متساويًا، ولو صغيرًا جدًّا، صار المجموعُ بلا نهاية. وإن لم تعطه شيئًا صار المجموعُ صفرًا. ولا يبلغ المئةَ في المئة أبدًا. فالنسبةُ التي يقوم عليها البرهانُ غيرُ معرَّفة، لا صغيرةً ولا كبيرة.
والمثال: يقول لك صديقك: «فكّرتُ في عدد، فما احتمالُ أن يكون زوجيًّا؟» فتسأله: من واحدٍ إلى عشرة؟ فيقول: لا، من كلّ الأعداد بلا حدّ. عند هذه النقطة لا يصير جوابُك صغيرًا، بل يصير السؤالُ بلا جواب. لأنّ «اختيارًا متساويًا من عددٍ لا نهايةَ له» عبارةٌ لا شيءَ وراءها: أيُّ توزيعٍ تضعه سيرجّح منطقةً على أخرى، ولا شيءَ في السؤال يقول لك أيَّ منطقة.
ومثالٌ ثانٍ يُريك الأمرَ بعينك: ترمي دبّوسًا على خريطةٍ معلّقةٍ على الجدار، وتسأل: ما احتمالُ أن يقع في مصر؟ الجوابُ يقتضي أن تعرف حوافَّ الورقة أوّلًا: كم مساحتُها كلُّها؟ أمّا ورقةٌ لا حافّةَ لها فلا تعطيك نسبةً صغيرةً ولا كبيرة، بل لا تعطيك نسبةً أصلًا. ومساحةُ مصر لم تتغيّر في الحالين.
*وحدُّ هذا المثال:* الدبّوسُ يُرمى بيدٍ لها عادةٌ وميل، فلا يتوزّع بالتساوي حتّى على ورقةٍ محدودة. وهذا تذكيرٌ بأنّ «العشوائيَّ المتساوي» فرضٌ يحتاج تبريرًا، لا حالةٌ طبيعيّة. وأشدُّ من ذلك في المثالين معًا أنّ مثالَ الأعداد الزوجيّة يُريك أنّ الأمرَ ليس امتناعًا مطلقًا: تستطيع أن تحسب النسبةَ بطريقة «التنظيم»، فتخرج بالنصف أو بالثلثين بحسب ترتيبك. فنحن لا نعجز عن الحساب، بل نعجز عن تبرير طريقته. وهذا العجزُ مشروطٌ بغياب مقياسٍ مبرَّر، لا مطلق. فمن قال «الحسابُ مستحيل» تجاوز الحدّ؛ والصوابُ: «الحسابُ معلَّقٌ على اختيارٍ لم يُبرَّر».
وأصحابُ حجّة الضبط أجابوا عن هذا الاعتراض، وجوابُهم قلبُ النزاع كلِّه.
وأقوى صياغةٍ فلسفيّةٍ لحجّة الضبط صياغةُ الفيلسوف الأمريكيّ روبن كولنز. وهو يقيّد المدى بما يسمّيه «النطاقَ المستنيرَ معرفيًّا» (epistemically illuminated range). ومعناه المدى الذي تستطيع معرفتُنا أن تُضيئه. فهو لا يحسب على مدًى لا نهايةَ له، ويعترف بأنّ ذلك عبث؛ بل يحسب على المدى الذي تستطيع نظريّاتُنا الحاليّة أن تقول فيه شيئًا مفهومًا. وما وراء ذلك ليس صغيرًا ولا كبيرًا، بل هو خارجُ دائرة الكلام.
وصورةُ فكرته: تسأل «ما حظُّ أن يكون مقاسُ حذائي ٤٢؟» فلا جوابَ إن كانت المقاساتُ بلا حدّ. فإن قلتَ: المقاساتُ التي تُصنع فعلًا من ٢٠ إلى ٥٠، صار للسؤال جواب. وكولنز يفعل هذا بعينه: يضع سقفًا للقيم الممكنة، ثمّ يحسب تحته.
وفي كلام كولنز عن ثابت الجاذبيّة ما يُريك كيف يعمل السقف، وإن لم يسقه هو على هذا النطاق بعينه، بل على مدًى يستعمله الفيزيائيّون. فشدّاتُ القوى في الطبيعة تمتدّ من الجاذبيّة إلى القوّة النوويّة الشديدة، وبين الطرفين نحوُ ١٠^٤٠ ضعفًا. ويذكر كولنز أنّ النجومَ الطويلةَ العمر تمتنع إن زادت الجاذبيّةُ على ثلاثة آلاف ضعف. فإن قسمتَ هذا على ذاك خرجت نسبةٌ من نحو واحدٍ إلى ١٠^٣٦، وهي قسمةٌ لا يُجريها كولنز نفسُه. فمتى وُضع للمدى سقف، لم تعد النسبةُ «واحدًا من لانهاية»، بل صارت رقمًا معرَّفًا يُحسب. وبهذا يعود توزيعُ الحظوظ «قابلًا للتسوية»، وتعود النسبةُ معرَّفة. وهذا جوابٌ حقيقيٌّ لا مراوغة، ويجب أن يُقرأ قبل أن يُردّ.
*وحدُّ هذا المثال:* حدُّ النطاق قرارٌ لا اكتشاف، وهذا أشدُّ ما في النزاع كلِّه. فلماذا كانت القوّةُ الشديدةُ هي السقف؟ لِمَ لا «كتلةُ بلانك» (وهي الحدُّ الذي مرّ بك باسم مقياس بلانك)، فيتّسع المدى رتبًا كثيرةً وتصغر النسبةُ بقدرها؟ ولِمَ لا سقفٌ أضيق، فتكبر النسبةُ حتّى لا تُدهش أحدًا؟ وهذا في مثال الحذاء سؤالُ: من الذي وضع السقفَ عند ٥٠ لا عند ألف؟ ومن غيّر الحدودَ غيّر النتيجة، والحدودُ ليست في الطبيعة بل في مبلغ نظريّتنا اليوم. أي أنّ الرقمَ الخارجَ يتغيّر بتقدّم الفيزياء لا بتغيّر الكون. وهذا هو العيبُ نفسُه الذي رأيناه في رقم ١٠^١٢٠، يعود هنا من بابٍ آخر. ولا حسمَ في هذه المسألة إلى اليوم، وهي عندي أهمُّ نقطةٍ مفتوحةٍ في الباب كلِّه.
وهذا السلاحُ ذو حدّين، ولكنّ الحدّين لا يقعان سواءً. فقد يُظنّ أنّ غيابَ المقياس يوقف الطرفين معًا فلا يرجّح أحدًا، وليس كذلك. والسببُ بسيط: الموقفُ المقابلُ الجادّ ليس «لا ضبطَ هنا، ولا شيءَ يستدعي سؤالًا». فهذا موقفٌ لا يحمله ماكغرو ٢، ولا الفيزيائيُّ شون كارول ٣، ولا الفيلسوفُ الأستراليُّ غراهام أوبي، وهو من أبرز من دافع عن الإلحاد ٤. الموقفُ المقابلُ الجادّ هو: الظاهرةُ لغزٌ حقيقيّ، والحجّةُ المبنيّةُ عليها لا تقوم، ولا أدري ما الجواب. وقولُ «لا أدري» لا يحتاج مقياسًا أصلًا؛ إنّما يحتاجه من يريد أن يستخرج من الظاهرة ترجيحًا. وهذا بابُ «عبء الإثبات»: من يدّعي شيئًا فعليه أن يأتي بدليله. فالعبءُ على من يريد أن يبني. وغيابُ الأداة يمنعه من البناء، ولا يمنع غيرَه من الامتناع عن الحكم. وصاحبُ حجّة الضبط هو الباني، فغيابُ المقياس عليه لا على خصمه.
ولا يقول ماكغرو إنّ «الطبيعانيّة» انتصرت. والطبيعانيّةُ هي الموقفُ القائلُ إنّ الطبيعةَ هي كلُّ ما يوجد. وانتبه هنا إلى لفظين متشابهين: «الطبيعانيّةُ» موقفٌ فلسفيٌّ يقول ليس وراء الطبيعة شيء، و«الطبيعيّةُ» عند الفيزيائيّين حكمٌ على شكل المعادلة. ولا صلةَ بين المعنيين. فماكغرو يقول: الحجّةُ لا تقوم. وسقوطُ الحجّة ليس نصرًا للطرف الآخر، وهذا حقّ. لكنّه مع ذلك نتيجةٌ حقيقيّة، وليس تعادلًا بين الطرفين.
والذي يصحّ في الاتّجاه الآخر أضيقُ من ذلك: من استعمل مشكلةَ المقياس ليُثبت دعوى موجَبةً في الاتّجاه المقابل، كأن يقول «فقد تبيّن أنّ الضبطَ لا شيء» أو «فقد صار احتمالُ الطبيعانيّة عاليًا»، فقد استعمل الأداةَ في غير ما تصلح له. فهي تُبطل الحسابَ ولا تُخرج نتيجة. وهذا حدٌّ صغير، لا يجعل الطرفين سواءً.
فأين تقف أنت؟ الذي يترجّح أنّ مشكلةَ المقياس تُسقط من كلامك عبارةَ «احتمالُه واحدٌ في تريليون» وأشباهَها، ولا تُسقط المسألةَ نفسَها. فتقول: في بنية الكون واقعةٌ تستدعي النظر، ولا أملك اليومَ أن أحسب حظَّها. وهذا موقفٌ يُدافَع عنه ولا يُنقض، وليس هزيمة. ويترجّح كذلك أنّ عبءَ المقياس على من يريد أن يبني ترجيحًا، لا على من يمتنع عن الحكم. ويبقى مفتوحًا أعظمُ ما في النزاع: هل يُقدَّم يومًا مقياسٌ مبرَّرٌ تبريرًا مستقلًّا عن النتيجة المرجوّة، فيعود الحسابُ ممكنًا؟ فإن قُدّم عادت النسبةُ معرَّفة، وعاد السؤالُ كلُّه إلى الطاولة.
وللفيزيائيّين معنًى آخرُ لـ«الضبط» غيرُ معنى الفلاسفة، يسمّونه «الطبيعيّة» (naturalness). وصورتُه في جيبك: انظر في فاتورة هاتفك. مجموعُ ما استهلكتَه عشرةُ آلاف جنيه، ومجموعُ الخصومات تسعةُ آلافٍ وتسعُمئةٍ وتسعةٌ وتسعون، فالمطلوبُ منك جنيهٌ واحد. الحسابُ صحيح، ولكنّك لن تصدّق أنّه جاء مصادفة؛ ستقول: لا بدّ أنّ في النظام قاعدةً تُخرج الفاتورةَ هكذا. وهذا بعينه قولُ الفيزيائيّين في كتلة جسيم «هيغز»: هم لا يحسبون حظًّا، بل يستنكرون شكلَ الفاتورة.
ومثالُ كتلة الهيغز هو المثالُ الأمّ في هذا المعنى. كتلةُ جسيم هيغز المرصودة نحوُ ١٢٥ «جيغا-إلكترون-فولت»، وهي وحدةٌ يقيس بها الفيزيائيّون كتلَ الجسيمات. لكنّ نظريّةَ الحقول الكمّيّة تقول إنّ هذه الكتلة تتلقّى تصحيحاتٍ كمّيّةً من كلّ جسيمٍ تتفاعل معه. وحجمُ هذه التصحيحات يتناسب مع أعلى مستوى طاقةٍ تصدق إليه النظرية. فلو صدقت إلى مقياس بلانك (١٠^١٩ جيغا-إلكترون-فولت) لكانت التصحيحاتُ أكبرَ من الكتلة المرصودة بنحو سبعَ عشرةَ رتبةً عشريّة. فكيف بقيت الكتلةُ صغيرة؟ بأن تتلاقى المقاديرُ الهائلة فيلغي بعضُها بعضًا، ويبقى منها فرقٌ ضئيلٌ هو ما نراه، بدقّةٍ تبلغ نحوَ جزءٍ من ١٠^٣٢ في مربّع الكتلة. وهذا وضعٌ يستنكره الفيزيائيّون، ويسمّونه «مشكلةَ التراتب»، أي أن يكون بين رقمين في الطبيعة فرقٌ هائلٌ لا يُعرف له سبب. ويقولون: لا بدّ من بنيةٍ أعمقَ تجعل هذا الإلغاءَ تلقائيًّا لا مصادفة.
فانظر إلى طبيعة هذا الحكم: ليس فيه احتمالٌ يُحسب على العالم، ولا توزيعٌ على القيم الممكنة. هو حكمٌ على النظرية: أنّها تبدو أشبهَ بمعادلةٍ كُتبت فيها الأرقامُ لتخرج بنتيجةٍ معلومة، فيُظنّ أنّ تحتها ما هو أبسط. وهو حدسٌ في منهج البحث، والحدوسُ تُخيب. فنظريّةُ «التناظر الفائق» قامت على هذا الاستنكار نفسِه لتُزيله، وهي نظريّةٌ تفترض لكلّ جسيمٍ أخًا لم يُرَ بعد. و«مصادمُ الهدرونات الكبير» أكبرُ آلةٍ بناها البشرُ لتصادم الجسيمات، وقد بحث عن جسيماتها سنواتٍ فلم يجدها في المدى الذي رُجي. فالطبيعيّةُ نفسُها معرَّضةٌ للخطأ. وهذا درسٌ يسري على كلّ من يبني على «هذا الرقمُ يبدو غريبًا» بناءً ثقيلًا: عليّ أنا، وعلى خصمي.
فهنا معنيان: الضبطُ الفلسفيّ الذي يطلب احتمالًا، والطبيعيّةُ التي تحكم على بنية النظريّة. والخلطُ بينهما من أشدّ أسباب الاضطراب في هذا الباب كلِّه.
رابعًا: الأكوانُ المتعدّدة: من أين جاءت، وما الذي تفسّره، ولماذا لا تُغلق المسألة
كثيرٌ ممّا يُكتب بالعربية يعامل فرضيّةَ «الأكوان المتعدّدة» معاملةَ حيلةٍ اختُرعت هربًا من الاستدلال. وهذا وصفٌ غيرُ صحيح، ومن قاله أضعف موقفَه. فأشهرُ صور هذه الفرضيّة لم توضع لهذا الغرض أبدًا:
- «التضخّمُ الأبديّ» نتيجةٌ لنماذجَ في علم الكون وُضعت لمسألتين أخريين تمامًا. الأولى «مسألةُ الأفق»: لماذا تتشابه أطرافُ السماء المتباعدة؟ والثانية «مسألةُ الانبساط»: لماذا الكونُ مستوٍ إلى هذا الحدّ؟ ثمّ تبيّن أنّ صورًا من هذه النماذج لا تتوقّف عن إنتاج مناطقَ جديدةٍ من الكون.
- و«مشهدُ الأوتار» (string landscape) نتيجةُ عدّ الحلول الممكنة في «نظريّة الأوتار»، وهي نظريّةٌ تحاول أن تجمع قوى الطبيعة كلَّها في إطارٍ واحد. وقد عرضه الفيزيائيُّ الأمريكيُّ ليونارد ساسكيند سنة ٢٠٠٣ في هذا الإطار.
فليست الفرضيّةُ مصنوعةً للمناسبة، وهذا صحيحٌ ولو خالفناها.
والمثالُ الذي يُريك ما تفسّره هذه الفرضيّة: وجدتَ في الشارع بطاقةً رابحةً بمليون. فإن كنتَ تعلم أنّ مطبعةً في الحيّ تطبع مليونَ بطاقةٍ كلَّ يومٍ وتنثرها في الطرقات، زالت دهشتُك كلُّها، ولم يبقَ شيءٌ يحتاج تفسيرًا. ولو لم تُطبع في التاريخ إلا بطاقةٌ واحدة، لبقيت الدهشةُ كما هي.
*وحدُّ هذا المثال:* المطبعةُ ترى بابَها، وتسمع صوتَها، وتدفع فاتورةَ كهربائها. أمّا افتراضُ مطبعةٍ لا يصلنا منها إلا بطاقةٌ واحدة فهو نفسُه موضعُ النزاع، لا حلُّه. وهذا أوجهُ ما يُعترض به على الفرضيّة.
فما الذي تفسّره الأكوانُ المتعدّدة، وما الذي لا تفسّره؟
تفسّر: أن يوجد كونٌ ما بقيمٍ تسمح بالحياة. فإن كانت الأكوانُ كثيرةً جدًّا، والقيمُ تتنوّع فيها، فوجودُ واحدٍ موافقٍ للحياة متوقَّع.
ولا تفسّر، على أشهر اعتراضٍ عليها، أن يكون هذا الكونُ الذي أنا فيه هو الموافق. وهذا ما يسمّى «مغالطةَ المقامر المعكوسة». وصورتُها: أن ترى النردَ يخرج ستّةً ستَّ مرّاتٍ متتاليةً على طاولتك، فتستنتج أنّ في الصالة طاولاتٍ كثيرةً يُرمى عليها النرد. ثمّ تقول: رميتي ليست عجيبةً، لأنّ إحدى الطاولات لا بدّ أن تُخرج هذا. والاستنتاجُ غلط: كثرةُ الطاولات ترفع احتمالَ أن تقع هذه الرميةُ في مكانٍ ما، ولا ترفع احتمالَ أن تقع على طاولتك أنت.
ولا بدّ أن يُنسب هذا الاعتراضُ إلى أصحابه بدقّة. صاغ صورةَ المغالطة الفيلسوفُ الكنديُّ إيان هاكينغ سنة ١٩٨٧، لكنّه صاغها في وجه صورةٍ بعينها من الأكوان المتعدّدة: أكوانِ الفيزيائيّ ويلر المتعاقبة، أي التي يأتي بعضُها بعد بعضٍ في الزمن. وأعفى صراحةً صورةَ الأكوان المتزامنة، الموجودة معًا، على طريقة الفيزيائيّ كارتر. والذي عمّم الاعتراضَ على الأكوان المتعدّدة كلِّها هو الفيلسوفُ روجر وايت سنة ٢٠٠٠.
ولخصوم هذا الاعتراض جوابٌ قويّ: أنّ الرصدَ هنا ليس كالرصد على الطاولة. فأنت لا تستطيع أن ترصد كونًا غيرَ الذي يسمح بوجودك، فالمعطى الذي في يدك ليس «هذا الكونُ مضبوط»، بل «الكونُ الذي يمكن أن أوجد فيه مضبوط». وكثرةُ الأكوان ترفع احتمالَ هذه القضيّة فعلًا. والنزاعُ في هذه النقطة بعينها قائمٌ بين الفلاسفة إلى اليوم، ولا حسمَ فيه. ومن قال لك إنّه محسومٌ لصالح جهةٍ فقد اختصر لك ما لم يُختصر على أهله. فلا تسق هذا الاعتراضَ إفحامًا يُنهي الكلام، ولا تقبله من خصمك إفحامًا: هو اعتراضٌ قائمٌ عليه جواب، والجوابُ عليه ردّ.
ويبقى على الفرضيّة اعتراضان لا يزولان بالجواب السابق:
الأوّل: السؤالُ ينتقل ولا يُلغى. فالآلةُ التي تُخرج الأكوانَ لها بدورها قوانينُ ومعاملات، ويسمّيها بعضُهم «المولِّدَ الكونيّ». فمن فسّر ضبطَ كوننا بآلةٍ تُنتج كلَّ صور الضبط، بقي أمامه أن يسأل: ولماذا كانت لهذه الآلة هذه القوانين؟ وصورةُ ذلك: تسأل لماذا كان هاتفُك على هذه الصورة، فيُقال لك: الجوابُ في المصنع الذي صنعه. فتسأل: ولماذا كان المصنعُ على صورته؟ فقد نقلتَ السؤالَ ولم تُلغِه. فالفرضيّةُ ترفع السؤالَ طبقةً إلى فوق. وهذا مكسبٌ إن كانت الطبقةُ العليا أبسطَ ممّا تحتها، وليس مكسبًا إن كانت مثلَها في الحاجة إلى تفسير.
والسؤالُ نفسُه يَرِد على حجّة التصميم. فإن كان المولِّدُ يُسأل: «ولماذا هو على هذه الصفة؟»، فالمصمِّمُ يُسأل السؤالَ نفسَه: عقلٌ له إرادةٌ وعلمٌ وقدرة، يختار هذه القيمَ دون تلك؛ فلمَ كان على هذه الصفة دون غيرها، ولمَ أراد كونًا كربونيًّا دون سواه؟
والجوابُ المطروح أنّ الإلهَ بسيطٌ بالضرورة: لا أجزاءَ فيه ولا تركيب، فلا يَرِد عليه سؤالُ «ولماذا هذه التركيبةُ دون تلك». وهذا جوابٌ حقيقيٌّ لا مراوغة. فالذي يقول «الإلهُ بسيط» يقول: بلغتُ شيئًا ليس فيه أجزاءٌ يُسأل عن تركيبها، فوقف السؤال. وأصلُ نفي التركيب عن الله ليس دعوى فيلسوفٍ بعينه، بل هو مقرَّرٌ بأدلّته عند المسلمين، فليس اللهُ جسمًا ولا يتجزّأ. وإنّما الذي للفيلسوف البريطانيّ ريتشارد سوينبرن — وهو من أبرز المدافعين عن الإيمان بالله في الفلسفة المعاصرة — أن يبني على هذه البساطة في الاستدلال، فيجعلها موقِفةً للسؤال ههنا، ومرجِّحًا يقدّم فرضَ الإله ابتداءً. وهذا البناءُ وحدَه موضعُ النزاع الآتي، لا أصلُ نفي التركيب.
وقد نُوزع سوينبرن في هذا بقوّة. وحاصلُ الاعتراض المعروف أنّ عقلًا يعلم كلَّ شيء، ويقدر على كلّ شيء، ويريد هذا دون ذاك، ليس بسيطًا بالمعنى الذي يُعفيه من السؤال. فإرادةُ هذا الكون بعينه مضمونٌ مخصوصٌ يُطلب سببُه، والاختيارُ نفسُه يُسأل عنه. ولا أنسب هذا الاعتراضَ إلى موضعٍ بعينه عند أحد، فلم أجده في فصلٍ محدّدٍ من كتاب غراهام أوبي `Arguing about Gods` (ومعنى عنوانه: الجدالُ حول الآلهة). فأسوقه اعتراضًا مشهورًا، لا نقلًا موثَّقًا.
وموضعُ هذا الاعتراض مقياسُ البساطة الذي بنى عليه سوينبرن، لا أصلُ تنزيه الله عن التركيب. فالمقرَّرُ عند أهل النظر من المسلمين أنّ الله منزَّهٌ عن الجزء والتركيب والتبعيض، وأنّ تعدّدَ صفاته لا يجعل ذاتَه مؤلَّفةً من أجزاء: فصفاتُه ليست أبعاضًا تركَّبت منها الذات، ولا أشياءَ انضمّت إليها من خارج؛ وعبارتُهم فيها أنّها لا هي عينُ الذات ولا غيرُها. وأمّا أن يريد هذا الكونَ دون غيره، فالإرادةُ هي التي تخصّص أحدَ الممكنَين بالوقوع، وذاك معناها؛ فمن طلب لها مرجِّحًا من خارجها لزمه أن يطلب للمرجِّح مرجِّحًا، فعاد إلى تسلسل السؤال الذي فرّ منه. وهذا جوابٌ عن أصل الاعتراض، لا فصلٌ في منازعة الفلاسفة لسوينبرن في مقياسه.
ولا أفصل في هذا النزاع، فهو نزاعٌ في صياغة سوينبرن بعينها. وإنّما أنبّه إلى أنّ لوقوف السؤال عند الخالق مستندًا غيرَ «البساطة»، لا يقوم عليها ولا يسقط بسقوطها. وهو مستندٌ عقليٌّ محضٌ لا يُستمدّ من نصّ: أن يُقسَم الموجودُ قسمين. الأوّل ما يستوي في حقّه أن يوجد وألّا يوجد، فيُطلب له مرجِّح. والثاني ما وجودُه من ذاته لا من غيره، فمن طلب له سببًا خارجًا عنه فقد نقض ما فرضه فيه. والمولِّدُ الكونيُّ، على الصفة التي يصفه بها هذا الاعتراضُ نفسُه — قوانينُ ومعاملاتٌ كان يمكن أن تكون على غير ما هي عليه — يقع في القسم الأوّل، فيُسأل عن مرجّحه بحقّ. وهذه القسمةُ مرّت في الفصل الخامس بما يَرِد عليها، والكلامُ على «البساطة» موضعُه فصلُ «من خلق الله؟ وأليس الأبسطُ ألّا يكون إله؟»، لا هذا الموضع.
وأقرّر ههنا أمرًا واحدًا: أنّ اعتراضَ «السؤال ينتقل» ليس سلاحًا ذا اتّجاهٍ واحد. فمن رفعه في وجه الأكوان المتعدّدة، ثمّ أوقف السؤالَ عند فرضه هو بلا قاعدةٍ يقولها ويلتزمها، فقد كال بمكيالين. وأمّا من أوقفه بقاعدةٍ يُجريها على نفسه وعلى خصمه سواءً، فلم يكل بمكيالين، وإنّما فرّق بين مختلفين. وتبقى قاعدتُه بعد ذلك تُناقَش.
والاعتراضُ الثاني: أنّ الفرضيّةَ ليست مفروغًا منها داخل الفيزياء نفسِها. فالتضخّمُ الأبديُّ موضعُ خلافٍ حيٍّ بين علماء الكون. وقد نشر الفيزيائيّون آنا إيّاس وبول شتاينهارت وأبراهام لوب سنة ٢٠١٣ نقدًا لنموذج التضخّم من داخل التخصّص.
والواقعةُ على وجهها الدقيق: ورقةُ ٢٠١٣ نقدٌ محض. فيها ثلاثةُ اعتراضاتٍ على ما يسمّى «نماذجَ الهضبة» من نماذج التضخّم، ثمّ كلامٌ على جسيم هيغز. وتختم بأنّ البحثَ القادم سيكون فاصلًا، وهو البحثُ عن «أنماط الاستقطاب» و«غير-الغاوسيّة». وهما علامتان دقيقتان يُبحث عنهما في الضوء القديم الباقي من طفولة الكون. ولا تقترح الورقةُ بديلًا دوريًّا؛ فالبديلُ الدوريُّ لشتاينهارت في أعمالٍ أخرى له. ولا يُنسب إليها القولُ بكونٍ بلا بداية، ونماذجُ شتاينهارت الدوريّة نفسُها ليست كلُّها بلا بداية. والرادُّ على هذه الورقة ثلاثةُ فيزيائيّين، لا فريقٌ كبير: غوث وكايزر ونومورا. وأمّا «الفريقُ الكبير»، وهم ثلاثةٌ وثلاثون موقِّعًا، فإنّما ردّوا على مقالٍ لشتاينهارت وزميلَيه في مجلّةٍ عامّةٍ سنة ٢٠١٧، لا على ورقة ٢٠١٣. ونقلُ وصفٍ من واقعةٍ إلى واقعةٍ خطأٌ في النقل.
فمن بنى على الأكوان المتعدّدة بناءَ يقين، مؤيّدًا لها أو معارضًا، فقد بنى على مسألةٍ ما زالت تُبحث.
وهناك مرشَّحٌ ثالث، هو «الانتقاءُ الطبيعيُّ الكونيّ» عند الفيزيائيّ لي سمولين. وينفرد هذا المرشّحُ بأنّه يزعم أنّه يشتقّ القيمَ اشتقاقًا بدل أن يفترضها. واسمُه مأخوذٌ من «الانتقاء الطبيعيّ» في علم الأحياء، وهو بقاءُ الأصلح لبيئته وتكاثرُه أكثرَ من غيره. وصورتُه عند سمولين أنّ كلَّ ثقبٍ أسودَ يُنشئ كونًا وليدًا، بقيمٍ قريبةٍ من قيم أبيه مع انحرافٍ طفيف. فالأكوانُ التي تُنتج ثقوبًا سوداءَ كثيرةً تُخلّف ذرّيّةً أكثر، فتغلب قيمُها على المجموع بعد أجيال. والنتيجةُ عنده أنّ قيمَ كوننا مضبوطةٌ لإنتاج الثقوب السوداء، لا لإنتاج الحياة، وأنّ الحياةَ أثرٌ جانبيّ؛ لأنّ ما يصنع ثقبًا أسودَ يصنع معه نجومًا ثقيلةً وكربونًا.
وأحسنُ ما فيه أنّه يُخرج تنبّؤًا يمكن أن يُبطَل. يقول سمولين إنّ أيَّ تغييرٍ صغيرٍ في المعاملات ينبغي أن يُنقص عددَ الثقوب السوداء؛ فمن وجد تغييرًا واحدًا يزيدها، أسقط النظريّة. وقد نُوزع فيه فعلًا، نازعه الفيزيائيُّ ألكسندر فيلنكين وغيرُه. وهو ليس مقبولًا في الحقل قبولًا واسعًا، وآليّةُ توليد الأكوان الوليدة نفسُها غيرُ مثبتة. ومع ذلك فلا يصحّ أن يُقال إنّ الميدانَ خالٍ من مرشَّحٍ يشتقّ القيمَ ولا يفترضها، وهذا مرشَّحٌ يفعل ذلك.
وحدُّ ما أقوله: لا أستطيع أن أقول إنّ الأكوانَ المتعدّدة باطلة، ولا أن أقول إنّها تحلّ المسألة. أقول إنّها فرضٌ جادٌّ له مصادرُه في الفيزياء، وعليه اعتراضاتٌ جادّةٌ لم يُجَب عن كلّها. ومن أراد منّي أكثرَ من هذا طلب حسمًا لا أملكه.
فأين تقف أنت؟ يلزمك عمليًّا شيئان. الأوّل ألّا تقول: «الأكوانُ المتعدّدة خرافةٌ اخترعوها هربًا من الاستدلال»، فذاك خطأٌ في الواقع يُكشف بفتح ورقة. والثاني ألّا تقبل من أحدٍ أنّها «حسمت المسألة»، فذاك خطأٌ مثلُه. والذي يترجّح بينهما أنّها تفسّر وجودَ كونٍ ما صالحٍ للحياة إن صحّت، وتبقى عليها مسألتان مفتوحتان: أتفسّر أنّ كونَنا نحن هو الموافق؟ ومن أين جاءت قوانينُ الآلة التي تُخرج الأكوان؟ وبين الخطأين تقف.
خامسًا: المبدأُ الأنثروبيّ: يفسّر لماذا نرى ما نرى، لا لماذا وُجد ما نراه
«المبدأُ الأنثروبيّ» في صيغته الضعيفة قضيّةٌ لا يمكن إنكارُها: لا يُرصد إلا كونٌ يسمح بوجود راصد. أي أنّنا لا نرصد إلا كونًا يسمح بوجودنا نحن الراصدين. فمهما بلغت غرابةُ القيم التي نراها، لم يكن ممكنًا أن نرى غيرَها؛ إذ لو كانت غيرَها لما كنّا هنا لنرى.
والمثال: خرج استطلاعٌ يقول إنّ سبعين في المئة من الناس يجلسون في بيوتهم وقتَ الظهر. وقد أُجري بالاتّصال على الهواتف الأرضيّة بين العاشرة والثانية، فمن كان في عمله لم يُسأل أصلًا. فالنتيجةُ صادقةٌ تمامًا في وصف من ردّ على الهاتف، وباطلةٌ في وصف الناس. والعيبُ ليس في العدّ، بل في باب الدخول إلى العيّنة.
*وحدُّ هذا المثال:* في الاستطلاع نعرف من استُبعد وكيف، فنملك أن نصحّح النتيجة. أمّا في السؤال الكونيّ فنحن داخلَ العيّنة، ولا نملك سجلًّا بمن لم يُسأل. فالمبدأُ تنبيهٌ يمنعنا من الدهشة الساذجة، ولا يعطينا حسابًا نصحّح به.
فإلى أين يصل هذا المبدأ؟ يصل إلى موضعٍ واحدٍ ويقف عنده: يفسّر لماذا نرى ما نرى، لا لماذا وُجد ما نراه. والفرقُ بينهما هو موضعُ النزاع كلِّه.
والمثالُ الذي يُريك الفرق مثالٌ مشهورٌ عند الفلاسفة، وضعه الفيلسوفُ الكنديُّ جون ليزلي، وساقه ريتشارد سوينبرن عنه في الغرض نفسِه: رجلٌ حُكم عليه بالإعدام، فاصطفّت له مئةُ بندقيّةٍ في أيدي رماةٍ مهرة، وأُطلقت كلُّها، فوجد نفسَه حيًّا. فقيل له: لا وجهَ لدهشتك، إذ لو أصابوك لما كنتَ لتلاحظ شيئًا؛ فأنت لا تستطيع أن ترصد نفسَك ميّتًا. والجملةُ صحيحةٌ حرفًا بحرف، ويرى ليزلي وسوينبرن أنّها مع ذلك لا تُغلق المسألة. فالرجلُ يحقّ له أن يسأل: ولماذا أخطأت المئةُ كلُّها؟ فسؤالُه عن الواقعة نفسِها، والجوابُ الأنثروبيُّ عن شرط مشاهدتها. والجوابُ عن شرط المشاهدة لا يجيب عندهما عن سؤال الواقعة.
*وحدُّ هذا المثال:* نقلُه من الرماة إلى الكون موضعُ نزاع. ولفيلسوف العلم الأمريكيّ إليوت سوبر على الاستدلال بالضبط الدقيق اعتراضان، وكلاهما حجّةٌ ضدّ الاستدلال بالتصميم لا معه:
- الأوّل اعتراضُ «انتقاء الرصد»: ما دمتَ لا ترى إلا كونًا تستطيع أن تعيش فيه، فرؤيتُك له مضبوطًا أمرٌ لا بدّ منه، سواءٌ أكان وراءه قصدٌ أم لم يكن. وبلغة الحساب: احتمالُ هذه الرؤية واحدٌ صحيح على الفرضين كليهما، أي أنّها مؤكّدةٌ في الحالين. وما استوى على الفرضين لا يرجّح أحدَهما.
- والثاني اعتراضُ «المقاصد والقدرات»: لا نملك معرفةً مستقلّةً بمقاصد مصمِّمٍ مفترضٍ ولا بقدرته، فلا نستطيع أن نشتقّ من فرض التصميم تنبّؤًا نقارنه بغيره.
وأمّا الرماةُ أنفسُهم فلا يقول سوبر إنّ دهشةَ الناجي فيها غيرُ مشروعة. فقد كان يرى أنّ أثرَ انتقاء الرصد يقع على السجين أيضًا، ويرى معه أنّ السجين مصيبٌ في ترجيح أنّ الرماة أخطأوا عمدًا، بطريقٍ آخر: أنّنا نعرف الرماة ونعرف سلوكَ البشر. وليس عندنا مثلُ هذه المعرفة عن الكون، فالفرقُ بين الحالتين عنده حقيقيّ.
وردّ عليه الفيلسوفُ جوناثان وايزبرغ سنة ٢٠٠٥ في ورقةٍ يذكر عنوانُها الرماةَ أنفسَهم. ووايزبرغ يشارك سوبر رفضَ فرض التصميم، لكنّه ينفي أثرَ انتقاء الرصد في الحالين معًا: في الرماة وفي الكون. فإن رُدّت حجّةُ التصميم عنده، فبغير هذا الاعتراض. ثمّ رجع سوبر سنة ٢٠٠٩ عن قوله بانتقاء الرصد في الرماة، وأقرّ بأنّ وايزبرغ أقنعه، وثبت عليه في الضبط الدقيق. فالخلافُ الباقي بينهما في الكون وحدَه، لا في الرماة.
وهذا موضعُ نزاعٍ قائمٍ بين الفلاسفة، لا موضعُ إفحام. وأيًّا كان الرابحُ فيه، فلا يُثبت المثالُ أنّ البديلَ عن الجواب الأنثروبيّ هو التصميم.
ومثالٌ أهدأُ يُريك الفكرةَ نفسَها: كلُّ سمكةٍ في قارب الصيّاد أطولُ من عشرين سنتيمترًا، فيكتب في دفتره: لا صغارَ في هذا البحر. ثمّ ينظر إلى عيون شبكته فيجدها عشرين سنتيمترًا. فالشبكةُ تفسّر ما في القارب، ولا تفسّر لماذا في البحر سمكٌ أصلًا.
*وحدُّ هذا المثال:* الصيّادُ يستطيع أن يغيّر شبكتَه ويعيد الصيدَ بعيونٍ أضيق، فيصحّح دفترَه. ونحن لا نملك شبكةً ثانية، ولا نستطيع أن نخرج من العيّنة لننظر إليها. فالمثالُ يُريك بنيةَ العطب، ولا يُريك طريقَ إصلاحه، وهذا بعينه سببُ بقاء المسألة مفتوحة.
فأين تقف أنت؟ الذي يترجّح أنّ المبدأَ الأنثروبيّ صحيحٌ لا يُدفع، وأنّه يمنعك من الدهشة الساذجة، ولكنّه لا يجيب عن سؤال «لماذا وُجد هذا الكون». وأمّا مثالُ الرماة نفسُه، فعبارةُ «لولا نجوتَ لما لاحظتَ» لا تُسكت الدهشةَ فيه على ما انتهى إليه سوبر ووايزبرغ معًا؛ والخلافُ بينهما في نقل ذلك إلى الكون. والثابتُ أنّ المثالَ لا يجعل الدهشةَ دليلًا على التصميم: هو حجرٌ يُزيح حجرًا، ولا يُبنى فوقه شيء. ويبقى مفتوحًا بين أهل الاختصاص: هل يصحّ أن يُقاس الكونُ على الرماة، فتُعدّ «نجاتُنا» فيه شاهدًا على قصد؟
سادسًا: سؤالان يردان على الحجّة من داخلها: كونٌ أكثرُه قاتل، ومعنى كلمة «صدفة»
وهنا سؤالان يردان على حجّة الضبط من داخلها، وهما من صنفٍ واحد.
(أ) اعتراضُ الكفاءة: إن كان الكونُ مضبوطًا للحياة، فلمَ كان أكثرُه قاتلًا لها؟
عمرُ الكون نحوُ ثلاثةَ عشرَ مليارَ سنةٍ ونصف. وما نعرف اليومَ أنّه يحتمل الحياةَ فيه موضعٌ واحد، وسائرُه بحسب كلّ ما نعرفه فراغٌ، أو نجومٌ تحترق، أو إشعاعٌ يقتل. ولا أسوق هنا نسبةً مئويّة، لأنّي لا أعرف ما أقسم عليه. فالذي نعرفه أنّنا لم نجد موضعًا ثانيًا، لا أنّنا مسحنا الكونَ فخرجنا بنسبةٍ محدّدة. والدعوى التي لا تحدّد المقسومَ ولا المقسومَ عليه لا تُختبر.
فمن قال إنّ هذه الآلةَ صُنعت لإنتاج ما نحن فيه، سُئل عن كفاءة الصانع قبل أن يُسأل عن وجوده. ولو عُرض عليك مصنعٌ بحجم قارّةٍ يُخرج رغيفًا واحدًا، لكان أوّلَ ما يخطر لك أنّه ليس مصنعَ خبز.
*وحدُّ هذا المثال:* المصنعُ تُقاس كلفتُه بموردٍ محدود، فالإسرافُ فيه خبرٌ عن عجزٍ أو عن غرضٍ آخر. ومن يفترض صانعًا لا يكلّفه الحجمُ شيئًا لا يَرِد عليه هذا الوجه. فالمثالُ يُري الاعتراضَ ولا يُثبته، وموضعُ قوّته في مسألة الحكمة، لا في مسألة الضبط.
وللحجّة على هذا الاعتراض جوابان:
- الأوّل: أنّ حجّةَ الضبط لا تدّعي أنّ الكونَ صُمّم للحياة تصميمًا اقتصاديًّا، بل تدّعي أنّ الشروطَ الضروريّة لوجود الحياة مستوفاةٌ استيفاءً لافتًا. والسعةُ ليست زيادةً على هذه الشروط: فكونٌ يُنتج الكربونَ يحتاج أجيالًا من النجوم، والأجيالُ تحتاج زمنًا، والزمنُ في كونٍ يتمدّد يعني حجمًا. فالسعةُ لازمةٌ للكيمياء لا زائدةٌ عليها. وهذا جوابٌ فيزيائيٌّ حقيقيّ، لا مخرجٌ لفظيّ.
- والثاني: أنّ سؤالَ «لماذا بهذه الكفاءة الرديئة؟» ليس اعتراضًا على الضبط، بل على صفات المصمِّم؛ فهو من باب مسألة الشرّ والحكمة.
والجوابُ الثاني صحيحٌ في تصنيفه، ولكنّه لا يُنجي كلَّ النجاة. فالحجّةُ عند كولنز نفسِه حجّةُ ترجيح، أي أنّها تقول: هذا الذي نراه أشبهُ بأن يكون وراءه قصدٌ منه بأن لا يكون. وما دام الأمرُ وزنًا، فكلُّ ما نراه ولا يُتوقَّع ممّن صنع الكونَ لأجلنا يوضع في الكفّة الأخرى، ولا يُخرَج من الميزان بأن يُقال: هذه مسألةٌ أخرى. فالسؤالُ باقٍ، ولا يُخرجه التصنيفُ من الميزان.
فأين تقف أنت؟ الجوابُ الأوّل جوابٌ فيزيائيٌّ حقيقيّ: فالسعةُ والعمرُ الطويل شرطان لصناعة الكربون، لا إسرافٌ عليها. والجوابُ الثاني صحيحٌ في تصنيفه ولا يُنجي كلَّ النجاة. وأصدقُ ما يُقال لك: إن سيقت الحجّةُ ترجيحًا، فخلوُّ الكون — فيما نعرف — من موضعٍ ثانٍ تقوم فيه الحياة يدخل في الكفّة الأخرى؛ فاطرحه في الميزان ولا تُخفه. وأمّا السعةُ فقد عرفتَ أنّها شرطٌ لا فضلة، فلا موضعَ لها في هذه الكفّة. ثمّ إنّ هذا الوجهَ لا يقوم إلا على أصلٍ مضمرٍ ينبغي أن يُسمّى: أنّ الصانعَ يجب عليه أن يأتي بالأحسن فيما يصنع. وهو أصلٌ منازَعٌ فيه لا مسلَّم، وأكثرُ متكلّمي أهل السنّة على منعه؛ يُثبتون الحكمةَ في أفعال الله ولا يجعلونها إيجابًا عليه. ويبقى مفتوحًا: كم يزن هذا الخلوُّ في الكفّة؟ ولا يملك أحدٌ اليومَ أن يجيب عن ذلك برقم.
(ب) «الصدفة» لفظان لا لفظٌ واحد: «لم يُردها أحد» و«الوقوعُ الخام»
يُقال كثيرًا: «ولا تجيب عن هذا السؤال كلمةُ صدفة، لأنّ الصدفةَ تنفي القصدَ ولا تنفي السبب». وهذا صحيحٌ في أحد معنيي الكلمة وحدَه. والخلطُ بين معنيي كلمةٍ واحدةٍ مغالطةٌ لها اسم: «اشتراكُ اللفظ»، أي أن تبني حجّتَك على كلمةٍ تحمل معنيين، فتنتقل بينهما دون أن تنتبه.
فـ«الصدفةُ» في هذا الباب لفظان لا لفظٌ واحد:
- الأوّل العاميّ: «لم يُردها أحد». وهذا معنًى لا يفسّر شيئًا حقًّا، لأنّه إخبارٌ عن غياب قصدٍ لا عن وجود سبب. وهو المعنى الذي تصدق عليه العبارةُ السابقة.
- والثاني الفلسفيّ، وهو المقصودُ عند الخصم الجادّ: «الوقوعُ الخام» (brute fact)، أي أنّ هذه القيمَ واقعةٌ أولى ليس تحتها ما يفسّرها؛ لا لأنّ التفسيرَ غائبٌ عنّا، بل لأنّه ليس هناك تفسيرٌ أصلًا. والعبارةُ السابقة لا تمسّ هذا المعنى أبدًا، لأنّ قائلَه لا يدّعي تفسيرًا حتّى يُقال إنّ تفسيرَه ناقص. هو ينكر أنّ هنا ما يُفسَّر.
وصورةُ الفرق في بيتك: تسأل أمَّك: لماذا نضع الملعقةَ على يمين الطبق؟ فتقول: لا أعرف. فهذا جهلٌ ينتظر جوابًا، وقد تجده غدًا عند جدّتك. فإن قالت: لا سببَ لذلك أصلًا، ولا شيءَ تحته، فهذا شيءٌ آخرُ تمامًا؛ وهو ما يقوله خصمُك في أرقام الكون.
*وحدُّ هذا المثال:* القولُ بأنّه «لا سببَ أصلًا» يبدو في الملعقة غريبًا، لأنّنا نعلم أنّ لعادات البيوت أسبابًا. والخصمُ لا يقوله في الملاعق، بل في أوّل السلسلة، حيث لا يبقى شيءٌ أعمقُ يُسأل عنه. فلا تحكم على قوله بغرابة المثال.
فالمسألةُ إذن تنحلّ إلى سؤالٍ واحدٍ، هو مفصلُ النزاع كلِّه: أَلِكلّ شيءٍ تفسير؟ وهذا ما يسمّيه الفلاسفةُ «مبدأَ السبب الكافي»: القاعدةُ القائلةُ إنّ لكلّ موجودٍ تفسيرًا لوجوده. فمن سلّم بهذا المبدأ لزمه أن يطلب لهذه القيم تفسيرًا: مولِّدًا، أو قانونًا أعمق، أو إرادة. ومن منعه، أو قصره على بعض الوقائع دون بعض، لم يلزمه هذا المبدأُ بطلب تفسير، ولم يُبطل وقوفَه عند «هي كذلك».
والمثال: تسأل: لماذا كانت سرعةُ الضوء بهذا القدر لا أكثر؟ فيُقال لك: هذه وحدةُ قياسٍ اصطلحنا عليها، فاسأل عن غيرها. حسنًا: فلماذا كان «ثابتُ البنية الدقيقة» نحوَ واحدٍ من مئةٍ وسبعةٍ وثلاثين؟ وهو رقمٌ يقيس شدّةَ تجاذب الشحنات الكهربائيّة، ولا وحدةَ له: هو هو في كلّ نظام قياسٍ في الدنيا، فلا يُقال فيه ما قيل في سرعة الضوء. فإمّا أن يوجد جوابٌ أعمق، وهو ما يرجوه الفيزيائيّون، وإمّا أن تكون هذه نهايةَ السلسلة.
ومن طلب لكلّ شيءٍ سببًا انتهى إلى واحدٍ من ثلاثة: «التسلسل»، أي سلسلةِ أسبابٍ لا أوّلَ لها؛ أو شيءٍ لا سببَ له؛ أو وقوفٍ عن الطلب نفسِه. ولا أُسقط الأوّلَ بسرعة. فقولُنا «لا بدّ أن تنتهي السلاسل» ليس بديهةً يراها كلُّ عاقلٍ بأوّل نظره، بل يُعلم ببرهانه. والسلسلةُ المقصودةُ ههنا سلسلةُ المؤثّرات: ما يقوم عليه الشيءُ في وجوده، لا ما تعاقب قبله في الزمان. وامتناعُ التسلسل فيها مقطوعٌ به عند أهل النظر من المسلمين، وعليه يقوم استدلالُهم العقليُّ على وجود الخالق. وقد نازعهم في الفلسفة المعاصرة أناسٌ لهم حجّة. ومن قال بسلسلةٍ لا تنتهي، لم يلزمه أن يعيّن أوّلَها حتّى يُسأل: ومن هو؟ وإنّما يُردّ ببرهانه في موضعه.
فلنفرض أنّ السلسلةَ تقف، وهذا فرضٌ لا نتيجة. عندئذٍ يصير الخلافُ في هويّة ما تقف عنده: فمنهم من جعله الإله، ومنهم من جعله قوانينَ الفيزياء نفسَها. وليس الوقوفان سواءً وإن تشابها في الصورة، وبينهما قسمةٌ معروفة: ما وجب وجودُه بذاته، وما يقبل الوجودَ والعدم. فمن وقف عند الأوّل وقف عند وصفٍ يمنع أن يكون له سببٌ من خارجه، فوقوفُه لازمٌ عن الوصف لا عجزٌ عن الجواب. ومن وقف عند القوانين فأمامه أمران: أن يدّعي أنّها واجبةٌ بذاتها، وهي في أصل معناها وصفٌ لما يجري في الأجسام لا شيءٌ قائمٌ بنفسه، فعليه بيانُ ذلك؛ أو يسلّم أنّها وقوعٌ خام، فيكون وقوفُه اختيارًا لا لازمًا عن وصف. وهذا ترجيحٌ في عرض المسألة، لا إلزامٌ بها: أي أنّه ترتيبٌ يعين على فهمها، لا حجّةٌ تُلزم أحدًا. فمن منع مبدأَ السبب الكافي أو قصره لم يُلزَم بشيء.
ولا أفصل في هذه المسألة، فهي مبحثُ «الحجّة الكونيّة» لا مبحثُ الضبط. والحجّةُ الكونيّة هي الاستدلالُ بوجود الكون نفسِه على أنّ له سببًا. ومن ناقش «الصدفة» بمعناها العاميّ وحده، ثمّ أعلن أنّها لا تكفي، فقد ناقش أضعفَ صيغةٍ للموقف المقابل. وذلك «رجلُ القشّ»: أن تعرض رأيَ خصمك بأضعف صورةٍ لتهزمه.
فأين تقف أنت؟ إن كنتَ ترى أنّ لكلّ شيءٍ سببًا، فأنت ملزَمٌ أن تطلب لهذه الأرقام سببًا: مولِّدًا، أو قانونًا أعمق، أو إرادة. وإن كنتَ لا ترى ذلك، فلك أن تقف عند «هي كذلك»، ولستَ ملزَمًا بشيء. والذي يترجّح أنّ الخلافَ هنا ليس في الفيزياء بل في هذا المبدأ نفسِه، فمن أراد أن يحسمه فليحسمه في بابه. وأيًّا كان ما اخترتَه، فليس ثمّ رقمٌ يحسم المسألةَ عليك أو لك.
الخلاصة: يبقى سؤالُ انتظام القوانين، لا رقمٌ ولا احتمال
يبقى بعد هذا كلِّه شيءٌ أهدأُ من الأرقام، وأغمضُ منها كذلك. ولا أقول إنّه أمتنُ منها، ولا إنّه أصعبُ نقضًا؛ فإن صعُب نقضُه فمن غموضه لا من قوّته. والدعوى التي لا تحدّد صيغتَها لا تُختبر أصلًا. فلا يجوز أن يصير الغموضُ فضيلةً حين يكون في دعواي أنا.
يبقى أنّ في بنية الكون واقعةً تستدعي النظر. فقوانينُ الفيزياء ليست معادلاتٍ مغلقةً تُنتج أرقامَها بنفسها؛ فيها مواضعُ فارغةٌ تُملأ من خارجها. وبعضُ هذه المواضع إن حُرّك وحدَه اختلّت به عمليّاتٌ تقوم عليها كيمياءُ الحياة. وهذا بحسب أفضل نماذجنا اليوم، وفي المدى الذي جرّبته تلك النماذج.
ولا أقول «نطاقٌ ضيّق». فالضيقُ والسعةُ نسبتان إلى مقياسٍ لا نملكه. ومن أعلن أنّ النسبةَ «لا صغيرةٌ ولا كبيرة»، ثمّ قال بعدها «ليس واسعًا»، فقد رجع في نصف سطرٍ عمّا سلّم به كلِّه. وإنّما هو مدًى جُرّب في نماذجَ بعينها، وسُجّل ما خرج فيه. وهذه عبارةٌ تُختبر بفتح الورقة، وتلك عبارةٌ لا تُختبر بشيء.
فالسؤالُ الباقي ليس «ما احتمالُ ذلك؟»، فذاك سؤالٌ لا نملك أدواتِ جوابه. بل السؤالُ الباقي: لماذا كانت القوانينُ على صورةٍ تنتظم بالرياضيّات، وتقبل أن تُعرف؟
ولا أسأل: «لماذا لهذه القوانين معاملاتٌ حرّةٌ أصلًا؟» فحرّيةُ المعامل خبرٌ عن العالم، وهي كذلك خبرٌ عن حدود نظريّتنا بالقدر نفسِه. وقد يزول عنها هذا الوصفُ غدًا كما زال عن أطياف الذرّة. وبناءُ سؤالٍ أخيرٍ على ما قد يزول بناءٌ على رملٍ متحرّك. فالسؤالُ هنا في صورةٍ لا تتوقّف على بقاء المعامل حرًّا.
ولهذا السؤال اسمٌ غيرُ اسم الضبط الدقيق. فهو في أصله سؤالُ الفيزيائيّ المجريّ الأمريكيّ يوجين فيغنر عن «الفعاليّة غير المعقولة للرياضيّات في العلوم الطبيعيّة»، في ورقةٍ منشورةٍ سنة ١٩٦٠، ومعه طبقةٌ من «الحجّة الكونيّة». وليس هو الضبطَ الدقيق، ولا يقوم عليه شيءٌ من ذلك الحساب. ومن أخلى الميدانَ من كلّ خصم، ثمّ أدخل هذا السؤالَ في آخر كلامه، فقد هرّب حجّةً لم تُعرض ولم تُختبر. فهو سؤالٌ مستقلٌّ بنفسه، ولا يُحسب مكسبًا لما هُدم قبله.
وأين تنكسر هذه الخلاصة: ثلاثةُ أوجهٍ تُضعف سؤالَ «لماذا تنتظم القوانينُ بالرياضيّات؟»
فهذه ثلاثةُ أوجهٍ تنكسر بها هذه الخلاصة:
- تنكسر أوّلًا بأنّ السؤالَ قد يكون سؤالًا رديئًا. فسؤالُ «لماذا تقبل القوانينُ الكتابةَ بالرياضيّات؟» قد يكون جوابُه: لأنّ الرياضيّاتِ هي اللغةُ التي طوّرناها لوصف الانتظام أيًّا كان؛ فلو كان الكونُ منتظمًا على نحوٍ آخر، لطوّرنا لغةً أخرى وسمّيناها رياضيّات. وهذا جوابٌ حقيقيٌّ يجعل الدهشةَ دهشةً من صنع أيدينا، وقد قال به قائلون.
- وتنكسر ثانيًا بأنّها لا تُخرج ترجيحًا. فعبارةُ «ثمّ سؤالٌ باقٍ» ليست مقدّمةً في دليل. ومن سلّم بالسؤال كلِّه لم يلزمه من هذا التسليم شيءٌ في العقيدة، ولا يلزمه أن يجيب.
- وتنكسر ثالثًا بأنّها تقع على الطرف الآخر كما تقع عليّ. فمن قال «هذه هي القوانين، ولا تفسيرَ تحتها» أجاب بالوقوع الخام، وليس عندي أداةٌ تُبطل جوابَه؛ كما ليس عنده أداةٌ تُبطل سؤالي.
وهذه حدودُ ما تبلغه حجّةُ الضبط:
- حجّةُ الضبط لا تُثبت مصمِّمًا. أقصى ما فيها أنّ هنا واقعةً تستدعي النظر. وتفسيرُها بفاعلٍ مختارٍ عالمٍ مريد يسمّى «التفسيرَ الشخصيّ». وهو واحدٌ من المرشّحين، لا المرشّحُ الوحيد.
- ولو تمّ الترجيحُ لمصمِّم، فلا تُثبت أنّه واحد، ولا أنّه قادرٌ عالمٌ خيّر، ولا أنّه ما يزال موجودًا. وروبن كولنز صاحبُ أقوى صياغةٍ فلسفيّةٍ لحجّة الضبط، وهو نفسُه يصرّح بأنّها حجّةُ ترجيحٍ لا برهانُ إثبات. ويصرّح كذلك بأنّها لا ترجّح إلا على «الطبيعانيّة ذات الكون الواحد»، أي على القول بأنّه لا يوجد إلا الطبيعة، وأنّها كونٌ واحدٌ لا أكوانٌ كثيرة.
- ولا تُثبت دينًا بعينه، ولا نبوّةً، ولا شريعة. والانتقالُ من «في بنية الكون خصوصيّةٌ تستدعي النظر» إلى تصديق رسالةٍ بعينها نقلةٌ تحتاج أدلّةً من جنسٍ آخرَ تمامًا، وليست من هذا الباب في شيء؛ وموضعُها فصلُ «هل تكلّم اللهُ حقًّا؟» وما بعده، فالطريقُ غيرُ مقطوع.
- ولا تقول إنّ الفيزياء عاجزة. والفيلسوفُ غراهام أوبي ملحدٌ راجع أدلّةَ وجود الله مراجعةً نقديّة. وهو يرى أنّ الحججَ لا تنجح في الاتّجاهين معًا، أي أنّها لا تُلزم من لا يسلّم بمقدّماتها. و«النجاحُ» عنده شرطٌ شديد: أن تُلزم الحجّةُ كلَّ عاقلٍ كان ينكر النتيجةَ أو يتوقّف فيها، ولم يفِ به أحدٌ من الفريقين. فهو يصف حالَ الجدل لا حالَ الأدلّة في أنفسها، ولا يلزم من كلامه أن يستوي القولان. وأمّا في حجّة الضبط وحدَها فوصفُه أقربُ إلى الواقع من دعوى النصر بها عند أيّ فريق. ومن أخذ من رجلٍ ما يوافقه وحدَه فقد اقتطع.
وأمّا ما يُسقط هذه الحجّةَ لو وقع، فهو هذا: قد تظهر يومًا نظريّةٌ أعمقُ تشتقّ هذه المعاملاتِ اشتقاقًا من مبادئَ أولى، كما اشتُقّت أطيافُ الذرّة بعد أن كانت جداولَ تُقاس وتُكتب باليد. فإن ظهرت سقط كلُّ استدلالٍ يقوم على «المعامل الحرّ»، وهو أكثرُ ما في هذه الحجّة. وهذا احتمالٌ قائم، يعمل عليه فيزيائيّون جادّون منذ عقود، وبعضُهم يرى أنّه الاتّجاهُ الصحيح.
ويبقى بعده سؤالٌ واحدٌ أصرّح بحدّه: لماذا يوجد شيءٌ منظَّمٌ يقبل أن يُعرف؟ وهذا سؤالٌ لا تُسقطه نظريّةٌ فيزيائيّة، لأنّه ليس من جنس ما تفصل فيه الفيزياء. ولذلك لا يُحسب لي في ميزان الاختبار، ولا عليّ. ومن عدّه ربحًا يبقى لي بعد كلّ خسارة، فقد عدّ ما لا يُعدّ في الميزان. ولا يُقال إنّ «كلَّ نظريّةٍ أعمقَ ستأتي بمعاملاتها فتُعيد السؤال». فهذه الجملةُ تنقض الإقرارَ بأنّ الحجّةَ تسقط بتلك النظريّة. وهي تجعل الحجّةَ حصينةً من كلّ نتيجةٍ تأتي بعدُ، مع أنّ الحجّةَ تزعم أنّها عرّضت نفسَها للسقوط.
ما الذي يُبطل هذه الدعاوى اليوم، لا غدًا؟
والحجّةُ التي لا يُبطلها إلا ما سيأتي في المستقبل ليس لها اليومَ مضمونٌ يُختبر. فهذه أربعةُ أمورٍ تُبطل هذه الدعاوى، وكلُّها في متناول من أراد، اليومَ:
- دعواي في الأرقام الثلاثة تُبطَل بفتح الأوراق. إن وجد أحدٌ في ورقة أوبرهومر رقمَ ٢٪، أو في ورقة إيبلباوم أنّ ٢–٣٪ عتبةُ انهيارٍ لا هامشُ نجاة، أو في كتاب بنروز أنّه يسوق رقمَه حجّةَ تصميم، سقطت دعواي في هذه الأرقام.
- ودعواي في مشكلة المقياس تُبطَل بمقياسٍ مبرَّر. فمن قدّم على المعاملات مقياسًا يُبرَّر تبريرًا مستقلًّا عن النتيجة المرجوّة، سقطت هذه الدعوى، ورجعت النسبةُ معرَّفة. وهذا عملٌ منشورٌ يجري اليوم.
- ودعواي في ضيق المدى تُبطَل بمسحٍ يغيّر المعاملاتِ معًا. فمسحُ آدمز خطوةٌ في هذا الطريق، وقد ضيّق دعاوى كثيرة. ومن وسّع المسحَ فوجد نوافذَ واسعةً حين تتغيّر المعاملاتُ معًا، أسقط ما بقي.
- ونظريّةُ سمولين يمكن أن تسقط اليوم. فمن وجد تغييرًا صغيرًا واحدًا في المعاملات يزيد إنتاجَ الثقوب السوداء، أسقط نظريّتَه. وهو المرشّحُ الوحيدُ الذي وضع رقبتَه تحت السيف بهذه الصراحة.
فمن بنى إيمانَه على رقمٍ، فقد رهن إيمانَه بورقةٍ لم تُنشر بعد. والحكمُ نفسُه يجري في الاتّجاه المقابل: فمن بنى إنكارَه على رقمٍ، أي على مقالٍ وثق به ولم يفتح مصدرَه، فقد رهن إنكارَه بالورقة نفسِها. وليس في هذا الباب أرقامٌ آمنةٌ لأحد.
فأين تقف أنت؟ إن جئتَ تطلب رقمًا يُثبت لك ربًّا فلن تجده، وأصدقُ ما أعطيك أنّ من باعك ذلك الرقمَ باعك ما لا يملك. والذي يترجّح شيئان: أنّ في بنية الكون واقعةً تستحقّ أن يُنظر فيها، وأنّ أحدًا اليومَ، لا أنا ولا خصمي، لا يملك حسابًا يقطع فيها. فلا تبنِ إيمانَك على رقم، ولا تبنِ إنكارَك على رقم. ويبقى مفتوحًا سؤالُ انتظام القوانين وقابليّتِها لأن تُعرف، فابقَ فيه باحثًا. والذي نُوقش ههنا صياغةٌ حديثةٌ تقوم على مدًى وتوزيعِ احتمال، وليس النظرُ في الكون الذي يدعو إليه القرآنُ من جنسها: ذاك نظرٌ في الإحكام والدلالة لا في حساب، فلا يسقط بسقوط الأرقام. وموضعُه فصلُ «كيف يعرض القرآنُ الكونَ؟».