تخطَّ إلى المحتوى

من الكون إلى الإنسان

هذه رسالةٌ كتبتُها على لسان الكون، والكونُ لم يُملِ عليّ منها حرفًا. وجعلُ الجماد يتكلّم حيلةٌ في الكتابة، تفعل شيئًا واحدًا: تُضيف إلى الأرقام دفئًا ليس فيها. فإن أردتَ أن ترى أين تعمل هذه الحيلة فجرِّب: ضع مكان كلّ «أنا» اسمَ من كتب الرسالة، ثمّ أعِد القراءة. لن تخسر معلومةً واحدة، وستخسر الأثرَ وحده. وذاك يدلّك على ما كانت تصنعه.

ولن أقول لك في كلّ فقرةٍ إنّي لا أتلاعب بك. فمن ظلّ يُعلن نزاهتَه في كلّ سطر، فهو يحاول أن يؤثّر فيك بهذا الإعلان نفسِه. فاحكم على ما أقول بما فيه، لا بما أقوله عن نفسي.

وأكثرُ أرقام هذه الورقة مرجعُه في آخرها، وما سواه محسوبٌ منه. ويخرج عن ذلك أرقامٌ آخذها ممّا استقرّ عند أهله، لا عن بحثٍ بعينه، كمدّة سيادة الديناصورات، ومبتدأ التاريخ المكتوب، ونصيب النجوم من المادّة التي تعرف نوعَها. ومعها رقمان ليس لهما مرجعٌ محكَّم، والمرجعُ المحكَّم بحثٌ قرأه أهلُ الاختصاص وأقرّوه قبل نشره. وهما رقمان في سرعة مركبتين، وسأقول في موضعهما إنّهما من سجلّات بعثتين. وكلُّ نتيجةٍ تستخرجها من هذه الأرقام بعد ذلك فهي منك أنت، لا منّي.


منّي إليك، أيّها الذي يقرأ:

أوّلًا: كم أنت حديث

عمري ثلاثةَ عشرَ مليارًا وثمانِ مئة مليون سنة، وحدُّ خطئه نحو ثلاثةٍ وعشرين مليون سنة. وهذا الرقمُ استخرجتَه أنت، ولم أُخبرك به. ولم تستخرجه برؤية بدايتي. بل قِستَ حرارةَ أقدم ضوءٍ فيّ، فوجدتَها تختلف من بقعةٍ في السماء إلى بقعة. ثمّ ضبطتَ نموذجًا حتّى وافق هذا الاختلاف، والنموذجُ صورةٌ حسابيّةٌ لتاريخي كلِّه، فأعطاك النموذجُ العمر. فالحرارةُ وحدها لا تُعطي عمرًا. الذي يُعطيه هو اختلافُها من بقعةٍ إلى بقعة، مع نموذجٍ يوافق هذا الاختلاف. وهذا كمن يعرف عمرَ شجرةٍ بعدّ حلقاتها، لا برؤية بذرتها. فالعددُ صحيحٌ ما دام النموذجُ الذي يقرأ به الحلقاتِ صحيحًا، وهو أنّ كلَّ حلقةٍ سنة. فهو رقمٌ داخل نموذج: إن سقط النموذجُ سقط معه.

اضغطْ عمري كلَّه في سنةٍ واحدة، تصر كلُّ ثانيةٍ منها نحو أربعِ مئةٍ وسبعٍ وثلاثين سنةً من سنيك. وقبل أن أمضي: ضغطُ عمري في سنةٍ اختيارٌ اخترتُه أنا، وليس شيئًا يُقاس فيّ. لو ضغطتُ عمري في قرنٍ لظهرتَ في آخر أيّامه لا في آخر دقائقه، ولو ضغطتُه في يومٍ لظهرتَ في آخر ثانيتين منه. والحقائقُ واحدةٌ في الحالات الثلاث. الذي يتغيّر هو أثرُ الرقم عليك، لا الرقمُ نفسُه.

فعلى مقياس السنة تظهر أنت في آخر اثنتي عشرةَ دقيقةً من ديسمبر. وأعني بك نوعَك كلَّه، بكلّ من مشى على الأرض ومات، وأعني بظهوره أقدمَ ما عُرف من أحافيره. والتاريخُ المكتوب كلُّه، من أوّل لوحٍ طينيٍّ إلى هذه الصفحة، إحدى عشرة ثانية. وعمرُك أنت، إن طال، خُمس ثانية.

وأعرف ما يفعله هذا الرقمُ الأخير حين يُقرأ: هو لا يخاطب عقلك، بل يخاطب موتك. فخذه حسابًا مجرّدًا: ثمانون مقسومةً على أربعِ مئةٍ وسبعٍ وثلاثين. ولا شيءَ فيه بعد القسمة. لا يقول إنّ حياتك قليلة، ولا إنّها كثيرة. فالقلّةُ والكثرةُ وزنٌ، والوزنُ يحتاج إلى ميزان، ولا ميزانَ عندي.

وعلى المقياس نفسه لم تكن مجموعتُك الشمسيّة موجودةً في أوّل ثلثي السنة. أقدمُ جسمٍ صلبٍ تكوّن فيها يرجع إلى مطلع سبتمبر، وجاءت الأرضُ بعده بعشرات ملايين السنين. فذلك التاريخُ ليس تاريخَ الأرض، بل تاريخُ ذلك الجسم الصلب الذي سبقها، وهو قطعةٌ صغيرةٌ وُجدت محبوسةً في نيزك. وقبل ذلك كلِّه مضى منّي أكثرُ من تسعة مليارات سنةٍ لا أرضَ فيها ولا شمس. أي أنّ الدارَ التي تحسبها الأصلَ جاءت متأخّرةً هي أيضًا.

ولستُ أسوق هذا لأصغّرك. وقد لا يعنيك أصلًا. فإن كنتَ لا ترى أنّ الذي جاء آخرًا هو المقصودُ لمجرّد أنّه جاء آخرًا، فنحن متّفقان في هذا، وتستطيع أن تتجاوز هذه الفقرة. وإنّما أقوله لمن يقرأ تاريخي كأنّه مقدّمةٌ له. فهو يضع نفسه في آخر الصفحة، لأنّ النتيجةَ تأتي في آخر الصفحة في الكتب التي يؤلّفها الناس. ولستُ كتابًا من هذا النوع: ما جاء فيَّ آخرًا لا يصير خاتمتي لأنّه جاء آخرًا.

ومثالٌ محسوس: سادت الديناصوراتُ نحو مئةٍ وخمسةٍ وستّين مليون سنة، وانتهت. ولم تكن مقدّمةً لك؛ كانت فصلًا انقطع. ولو انقرضتَ غدًا وبقي بعدك نوعٌ آخر، لم يصر ذلك النوعُ «النتيجة» لأنّه جاء آخرًا، إنّما يصير آخرَ ما بقي. فالشيءُ لا يصير نتيجةً لأنّه جاء أخيرًا، بل لأنّ ما قبله لا يُفهم إلا به. والتلميذُ الذي يدخل الفصلَ بعد الجميع ليس هو سببَ الدرس.

وليس عندي من تاريخي إلا ما يُقاس: طولٌ وكتلةٌ وزمن. ولا أجد فيه شيئًا لا يُفهم إلا بك.

ولا تسألني عن قيمة حياتك. ليس لأنّ السؤالَ باطل، بل لأنّي لا أملك جوابه. أنا أملك المسطرةَ والساعةَ والميزانَ الذي تُوزن به الأثقال، ولا أملك ميزانًا يزن المعنى. والسؤالُ لا يسقط لأنّي لا أجيب عنه.

الحديدُ الذي في دمك: من أين جاء

الحديدُ الذي يحمل الأكسجين في دمك وأنت تقرأ هذا السطر لم يُصنع على الأرض. الأرضُ لا تصنع حديدًا؛ هي وَرِثَتْه.

وأصلُه ليس ما يُقال لك عادةً. بعضُه تكوّن في أجواف النجوم الثقيلة، وأكثرُه تكوّن في انفجاراتٍ نوويّةٍ لأقزامٍ بيضاء. والقزمُ الأبيضُ بقيّةُ نجمٍ ليس أكبرَ من شمسك بكثير. أمّا النجومُ الثقيلةُ فهي مصدرٌ للأكسجين أكثرَ منها مصدرًا للحديد. وكثيرٌ من حديدها يبقى محبوسًا في بقيّتها ولا يتناثر. وكلُّ هذه النجوم انتهت قبل أن تُولد شمسُك. ثمّ تناثر ما صنعته، ثمّ اجتمع ثانيةً في سحابة، وتلك السحابةُ صارت شمسَك وأرضَك، ثمّ صارت أنت.

وحدُّ هذا أنّه قولٌ في الحديد كلِّه مجموعًا، لا في ذرّةٍ واحدة. فهذه النِّسَبُ محسوبةٌ من كمّيّات ما تصنعه النجومُ وما تقذفه في المجرّة جيلًا بعد جيل، ولم تُحسب بتتبُّع ذرّةٍ بعينها. فلا يصحّ أن تشير إلى ذرّةِ حديدٍ في دمك فتقول: هذه من قزمٍ أبيض. يصحّ أن تقول: أكثرُ حديد جسدي من هناك.

وأقدمُ ضوءٍ فيَّ انطلق بعد بدايتي بنحو ثلاث مئةٍ وثمانين ألف سنة، وهو يمرّ من خلال جسدك الآن. لا تشعر به، لكنّه يُقاس بجهاز.

فأنت لستَ ضيفًا عليّ، أنت مصنوعٌ من موادّي. وهذا كلامٌ عن الطريق الذي سلكته الذرّات، لا عن نيّةٍ ساقتها. ولا أقول إنّ بينك وبين تلك النجوم نسبًا كنسب الابن إلى أبيه: الأبُ أراد ابنَه وانتظره وسمّاه، والنجمُ لم يُرِد أحدًا ولم ينتظر. لا أقول لك إنّ أحدًا أراد أن يصير ذلك الحديدُ دمًا. أقول: صار. ولستُ بهذا نافيًا أن يكون أحدٌ أراد ذلك؛ إنّما أسكت عنه، وبين السكوت والنفي ما بين «لم أجد» و«ليس موجودًا».

وأعرف أنّ هذا يُقال لك كثيرًا في صورةٍ مؤثّرة: أنت غبارُ نجوم. فخذ الجملةَ بحرفها، أي بمعناها الحرفيّ، ودع نغمتها. حرفُها أنّ لذرّات الحديد في جسدك تاريخًا فيزيائيًّا، يمكن تتبُّعه إلى أماكنَ من نوعٍ معيّن. ونغمتُها أنّ في ذلك ترقيةً لك أو حنينًا أو موعدًا. الحرفُ منّي، والنغمةُ منك.

كم بيني وبينك من مسافة، وماذا يعني ألّا يردّ أحد

أقربُ نجمٍ إليك بعد شمسك يبعد نحو ٤٫٢٥ سنةٍ ضوئية. الرقمُ يبدو صغيرًا لأنّ أوّله أربعة. لكنّه يعني هذا: أسرعُ مركبةٍ غادرت مجموعتَك الشمسيّة تمضي بنحو سبعةَ عشرَ كيلومترًا في الثانية، ولو ركبتَها لاحتجتَ نحو خمسةٍ وسبعين ألفَ سنةٍ لتبلغه.

وأسرعُ ما صنعته يدُك على الإطلاق مسبارٌ فضائيٌّ لامسَ الشمسَ بنحو مئةٍ واثنين وتسعين كيلومترًا في الثانية. ولم يبلغ هذه السرعةَ إلا لحظةً، عند أقرب نقطةٍ وصل إليها من الشمس. ولو دامت له هذه السرعة لاحتاج نحو ستّة آلافٍ وستّ مئة سنةٍ ليبلغ ذلك النجم. (والرقمان من سجلّات بعثتَي «فوياجر ١» و«مسبار باركر الشمسيّ» كما تنشرهما وكالةُ ناسا، لا من بحثٍ محكَّم.)

وحين تنظر إلى ذلك النجم فأنت لا تراه؛ ترى ما كان عليه قبل أربع سنوات. لا شيء عندي يصلك حاضرًا. كلُّ ما تراه منّي ماضٍ.

وقد أصغيتَ. أخذتَ ألفًا وثلاث مئةٍ وسبعةً وعشرين نجمًا قريبًا وسمعتَ نطاقًا ضيّقًا من موجاتها. فلم يردَّ أحد.

ولا أقول لك إنّك وحدك. لا أعرف. أقول: أصغيتَ قليلًا، ولم تسمع شيئًا. وأنا أوسعُ من مسحك بما لا يُقاس، والنطاقُ الذي سمعتَه جزءٌ ضيّقٌ من موجاتي. فمن قال لك «صمتُ هذا المسح دليلٌ على أنّ الكون خالٍ» فقد تجاوز ما يملكه من دليل. ومن قال لك «صمتُ هذا المسح دليلٌ على أنّك مقصود» فقد تجاوزه هو أيضًا، من الجهة الأخرى. فلا هذه المسألةُ ولا تلك يُجيب عنها مسحٌ لاسلكيٌّ لألفٍ وثلاث مئةٍ من النجوم في نطاقٍ ضيّق. الصمتُ صمت.

وأنا لم أصمت عنك لأنّي أُعرض عنك، ولم أصمت عنك لأنّي أنتظر أن تتكلّم أنت. أنا لا أصمت أصلًا: الصمتُ موقفٌ، وأنا لا أتّخذ مواقف.

المادّةُ المظلمة والطاقةُ المظلمة: اسمان لجهلٍ لا لمعرفة

المادّةُ التي تعرف نوعَها فيَّ نحو خمسةٍ في المئة منّي، وهي النجومُ والمجرّاتُ والغبارُ والكواكبُ وأنت. وانتبه: هذه الخمسةُ ليست «ما تراه». أكثرُ هذه الخمسةِ نفسِها لا تراه، فهو غازٌ رقيقٌ بين المجرّات وحولها. والنجومُ كلُّها، وهي ما تراه حقًّا، نحوُ عُشرِ هذه الخمسة. فمن قال «المرئيُّ خمسةٌ في المئة» ضاعف المرئيَّ عشرَ مرّات.

والباقي، خمسةٌ وتسعون في المئة، شيئان أعطيتَهما اسمين: مادّةً مظلمة، وطاقةً مظلمة.

و«المادّةُ المظلمة» ليست مادّةً عرفتَها ثمّ وجدتَها مظلمة. بل هي أثرُ جذبٍ تراه، ولا تجد الشيءَ الذي يجذب. كأنّك تلعب كرةً في صالةٍ مغلقةٍ لا ريحَ فيها، فترى الكرةَ تنحرف في الهواء في كلّ مرّة. فأنت موقنٌ أنّ شيئًا يدفعها، لأنّك ترى انحرافَها أمامك، لكنّك لا ترى ما يدفعها.

وبحثتَ عنها بأجهزة كشفٍ فيها أطنانٌ من عنصر الزينون، وضعتَها في أعماق المناجم وانتظرتَ. فلم يظهر فيها إلا ما تعرف مصدرَه. ومعنى هذا أنّك لم تجد ما تبحث عنه في حدود الكتل والتفاعلات التي بلغها جهازُك. ولا يعني أنّه ليس هناك. ولو قلتُ لك «فلم يمرّ بها شيء» لخلطتُ بين جملتين مختلفتين: «لم أجده» و«ليس موجودًا». ومن فتّش في جيبٍ واحدٍ فلم يجد مفتاحه لا يقول: ضاع المفتاحُ من البيت كلِّه.

و«الطاقةُ المظلمة» ليست طاقةً قِستَها؛ هي اسمٌ وضعتَه على واقعة: أنّ تمدُّدي يتسارع، ولا تعرف لماذا.

فهذان اسمان لجهلٍ، لا اسمان لمعرفة.

ولا أتّهمك في هذا بالغفلة. فأهلُ هذا العلم لا يدّعون أنّ الاسمين يحملان فهمًا، والشاهدُ في المراجع التي في آخر هذه الورقة. فالبحثُ الذي أثبت أنّ التمدُّدَ يتسارع يُثبت هذه الواقعة، ولا يبحث في حقيقة ما تُفسَّر به. والتجربةُ التي وضعت الزينون في المنجم تضيّق المدى الذي يُبحث فيه، ولا تكشف جسيمًا. فهذا التصحيحُ منك لا منّي، وإنّما أنا أنقله عنك.

وحدُّ هذه الفقرة أنّ جهلك بهما ليس جهلًا بتسعةَ عشرَ جزءًا من عشرين. أنت لا تعرف ما هما، لكنّك تعرف عن المادّة المظلمة كثيرًا: كيف تجذب ما حولها، وأين تتوزّع، وكيف أثّرت في تكوُّن المجرّات وتجمُّعاتها، وكيف يظهر أثرُها في أقدم ضوءٍ فيّ. وتعرف عن الطاقة المظلمة مقدارَها، وأثرَها في تسارع تمدُّدي. فأنت كمن يعرف عن رجلٍ دخل بيتَه أثرَ قدميه، ووزنَه، والبابَ الذي خرج منه، ولا يعرف وجهه. وليس هذا جهلًا بكلّ شيء. فمن قال «أجهل خمسةً وتسعين في المئة» فقد حوّل جملةَ «لا أعرف ما هما» إلى جملةٍ أخرى هي «لا أعرف تسعةَ عشرَ جزءًا من عشرين». وهذا من نوع الخلط بين «لم أجد» و«ليس موجودًا».


لماذا لا تصلح مقاديري وحدَها حجّةً لأحدكما

إلى هنا كنتُ أخبرك. وما بقي حدودٌ أضعها على نفسي، لا أوامرُ أضعها عليك؛ فلا أملك عليك أمرًا.

أراك تُساق إلى مجلسٍ، وأُجلَس أنا فيه شاهدًا. قومٌ ينظرون في اتّساعي ودقّةِ موازيني ويقولون: هذا لا يكون بلا صانع. وقومٌ يقولون: اتّساعي وبردي وخلوّي ليست دليلًا في نفسها. والسؤالُ الصحيح عندهم: أيُّ الرأيين كان يتوقّع كونًا على هذه الصورة قبل أن ينظر فيه؟ رأيُ من يقول بصانع، أم رأيُ من لا يقول به؟ فمن قال «سأجده هكذا» ثمّ وجده كذلك، فقولُه أقوى من قول من رآه أوّلًا، ثمّ فصّل تفسيرَه على مقاسه.

وكلاكما يشير إليّ، ومقاديري ساكتة. وهي لا تنطق لأحدٍ بشهادةٍ تحسم نزاعكما. ولا يلزم من سكوت المقياس أنّ ما يقيسه صامت. وما يستنتجه أحدٌ منّي فهو استنتاجُ من ينظر، لا حكمٌ منّي. ولا أزيد على ذلك: لا أقول إنّي محايدٌ بينكما. والفرقُ بين هاتين الجملتين هو أضعفُ موضعٍ في هذه الرسالة، فأقوله بصراحة:

أنا أعطيك أرقامًا: كم عمري، وكم بينك وبين النجم، وكم في هذا النجم من حديد. ولا يخرج من رقمٍ أمر. الميزانُ يقول لك: وزنُك سبعون كيلو، ولا يقول لك: يجب أن تُنقصها. أنا ميزان. وهذا صحيحٌ، ومعروفٌ منذ القديم.

أمّا أن يُقال بعد ذلك: «فلا يخرج منه إذن دليلٌ على صانعٍ ولا على عدمه»، فتلك قفزة. صحيحٌ أنّ الواقعةَ لا تُثبت النتيجةَ إثباتًا قاطعًا. لكنّها قد تجعلها أرجح، وبين الأمرين فرق. فبصمتُك على كوبٍ لا تُثبت أنّك شربتَ منه، فقد يكون أحدٌ ناولك إيّاه. لكنّها تجعل «شربتَ منه» أرجحَ من «لم تدخل الغرفةَ أصلًا». فالشاهدُ ليس برهانًا، وهو شاهد.

وانظر الفرقَ بين ما أقوله وما لا أقوله، بمثالٍ من الملعب. حكمُ المباراة لا يشجّع فريقًا. وليس معنى ذلك أنّ الفريقين متساويان في اللعب؛ فقد يكون أحدُهما أحسنَ لعبًا فعلًا، لكنّ الحكمَ ليس من شأنه أن يقول ذلك. فأنا لا أشهد لأحدكما، ولا أقول إنّكما متساويان عندي. هذان قولان، أقول الأوّل ولا أقول الثاني.

ودعوى أنّي محايدٌ بين الرأيين دعوى كبيرةٌ تحتاج إلى دليل. ولا أملك دليلَها، ولا أقدّمها لك في ثوب التواضع. والذي أقوله وأقف عنده هو هذا: أرقامي لا تفرض عليك أحدَ القولين. أمّا هل أُرجّح أحدَهما، وبأيّ مقدار، فذاك نزاعٌ قائمٌ بينكم، لم أحسمه ولستُ طرفًا فيه. والذي أقدر أن أقوله لك: لا تبنِ موقفَك على اتّساعي وحدَه، أيًّا كان موقفُك. فمن بنى موقفَه عليه وحدَه بنى على ما لا يحمله.

أنا أُريك ولا أقول لك.

واحذر أمرين. أوّلُهما العَجَب، أي الدهشة: تقف تحت سماءٍ صافيةٍ في صحراء فيرتجف شيءٌ في صدرك، فتظنّ الارتجافَ حجّة. الارتجافُ فيك لا فيّ. وهو شعورٌ صادقٌ بلا شكّ، لكنّه لا يصلح أن يُبنى عليه حكم. ولو كان العجبُ وحده برهانًا لكان كلُّ من عجب مصيبًا. وقد عجب منّي عبدةُ الكواكب، والقائلون بأنّي أزليٌّ لا بدايةَ لي، والقائلون بأنّي حادثٌ لي بداية. فانتهوا إلى أقوالٍ لا يمكن أن تصحّ معًا، وأنا واحد. ولا يعني هذا أنّ أقوالهم متساوية. يعني أنّ العجبَ لم يفصل بينها، وأنّ الفصلَ بينها يكون بشيءٍ آخر.

والثاني: من يعرضني عليك مرتَّبًا. في قوانيني أرقامٌ ثابتة، هي ثوابتي. فحين يُقال لك إنّ نسبةً في أحد هذه الثوابت لو تغيّرت قليلًا لانهار كلُّ شيء، فلا يكفي أن تسأل: من قاسها؟ وهل قال صاحبُها ما يُنسب إليه؟ هذا تدقيقٌ في النقل، وهو أضعفُ اعتراضٍ يمكن أن يوجَّه. والاعتراضُ الأقوى يقع في الاستدلال نفسه. فمن قال لك «فرصةٌ واحدةٌ في مليار» فاسأله سؤالًا واحدًا: مليارٌ من ماذا؟ لو رميتَ سهمًا فأصاب نقطةً في جدارٍ لا تعرف أين يبدأ ولا أين ينتهي، فلا يحقّ لك أن تقول «إصابةٌ نادرة». لأنّك لا تعرف كم نقطةً كان يمكن أن يصيب. وثوابتي عند أصحاب هذا الاعتراض جدارٌ من هذا النوع: لا أحد يعرف حدودَه، فلا أحد يستطيع أن يحسب عليه احتمالًا. وليس هذا الاعتراضُ بلا جواب. فمن أمتن من صاغ هذا الاستدلال من يعرف الاعتراضَ ويجيب عنه: يحصر المدى في نطاقٍ محدودٍ تمكن المقارنةُ فيه، ثمّ يحسب داخله. وجوابُه محلُّ نزاعٍ بينكم لم ينقطع؛ وموضعُ النزاع أنّ حدَّ النطاق قرارٌ منكم لا شيءٌ تجدونه فيّ، ومن غيَّر الحدَّ غيَّر الرقم. فلا تحسب الاعتراضَ حاسمًا، ولا الجوابَ مسلَّمًا. والسؤالُ يقع على الجهتين: دعوى النُّدرة ودعوى نفيِها، ولا يُعفى منه أحد.

والذي يخصّني من هذا: إذا قيل رقمٌ باسمي، فلا يُحسب منه احتمالٌ حتّى يُعرف المدى الذي يُحسب فيه. ومن اكتفى بتدقيق التفاصيل الجانبيّة ترك الجوهر.

وقد تكون واقفًا بين الفريقين، ولستُ أشهد لك بشيء. ولو قلتُ «أشهد لك أنّي لستُ مع أحدهما» لاستعملتُ سلطةً، وأنا في اللحظة نفسها أُنكر أنّي أملكها. ولأبطلتُ بسطرٍ واحدٍ الصفحةَ التي كتبتُها قبله. أقول ما أقدر عليه فقط: أنا ساكت، والسكوتُ ليس تصديقًا لأحدكم.

ولا تجعل مقاديري وحدَها حجّتك؛ اجعلني ما أنا: مشهدًا يُنظر فيه.

سؤالان لك: ما الذي كان يُغيّر رأيك؟ وهل أنا ميدانُ المسألة أصلًا؟

وقد أخّرتُهما إلى هنا، مع أنّهما أحقُّ ما في الورقة بأن يأتي أوّلًا:

الأوّل: ما الذي كان يُغيّر رأيك؟ أنفقتُ الصفحاتِ في ما لا أستطيع حسمَه، ولم أسألك مرّةً واحدةً ما الذي تعدُّه أنت حاسمًا. وهذا هو الفرقُ بين من يخاطب محاورًا ومن يخاطب جمهورًا: المحاورُ يُسأل، والجمهورُ يُخاطَب. فقل: ما الذي يهدم موقفك؟ فإن لم يكن هناك شيءٌ يهدمه، فالأرقامُ لا تنفع فيه أصلًا، لا لك ولا على خصمك. لأنّ موقفك حينئذٍ من نوعٍ لا تحكم فيه الأرقام.

وما الذي يهدم هذه الرسالة؟ أن يجد أحدٌ فيَّ واقعةً واحدةً تُرجّح أحدَ الرأيين ترجيحًا يمكن حسابُه بالأرقام. ولا يكفي أن يقول إنّها «نادرة» أو «مذهلة» بلا طريقةٍ متّفقٍ عليها للحساب. فإن وقع هذا سقط قولي «أنا مشهدٌ لا حُجّة»، ولم يسقط رقمٌ واحدٌ ممّا في الورقة. فاحتفظ حينئذٍ بالأرقام، واترك الرسالة.

والثاني: ولماذا تظنّني ميدانَ المسألة أصلًا؟ هذه الرسالةُ كلُّها مبنيّةٌ على أنّ مقاديري هي ساحةُ المسألة، وأعني اتّساعي وبردي وخلوّي. وقد لا تكون كذلك. فأقوى الحجج في هذا الباب، عند الجهتين، لا تقوم على هذه المقادير: مسألةُ الشرّ، وهل تكفي البراهينُ أو لا تكفي، وما يتّصل بذلك. وحتّى ما يُبنى عليّ أنا، كسؤال: لماذا أوجد أصلًا؟ ولماذا يفهمني العقل؟ فإنّه يُبنى على أنّي موجودٌ ومنتظم، لا على مقدار اتّساعي أو بردي. فإن كنتَ لا تبني موقفك على هذه المقادير، فقد كتبتُ إليك سبعَ صفحاتٍ في شيءٍ لا تنازع فيه. وهذا عيبٌ في الرسالة، لا فيك.


لا أعرف من أين جئت، وسؤالُك ليس عيبًا فيك ولا جوابًا عنّي

وأنا لا أعرف من أين جئت. لا أملك في داخلي عبارةً تشرح بدايتي. وأفضلُ ما عندك عنّي وصفٌ دقيقٌ جدًّا لما جرى بعد بدايتي، وسكوتٌ عمّا قبلها. وأنا أسكت معك.

ومسحُك ضئيل، ولم تجد فيه سائلًا غيرَك. وهذا خبرٌ عن مسحك لا عنّي، فلا تعدَّه تشريفًا لك. فلو وُجد ألفُ سائلٍ لم ينقص من سؤالك شيء، ولو لم يوجد سواك لم يزد فيه شيء. لم يسألني الحديدُ من أين جاء، ولا سأل النجمُ لماذا يحترق. وأنت سألت، وأنفقتَ في السؤال قرونًا، وبنيتَ له آلاتٍ في جوف الأرض وفوق الغلاف الجوّيّ.

فمن قال لك إنّ سؤالك عيبٌ فيك فقد أخطأ فيك، ومن قال لك إنّ سؤالك نفسَه جوابٌ عنّي فقد أخطأ فيّ. أمّا ماذا يدلّ عليه سؤالُك فيك أنت، فليس ممّا أحمله، ولا أحكم فيه.

وهذه رسالةٌ لا برهان. لم أُثبت لك بها شيئًا ولا نفيتُ، ولا تستطيع رسالةٌ أن تفعل ذلك. كلُّ ما فعلتُه أنّي فتحتُ عينك على مقاديرَ كنتَ تعرفها ولا تقف عندها. والوقوفُ عندها وحدَه ليس نتيجةً؛ هو انتباه. وما تبنيه على هذا الانتباه تبنيه بغير الأرقام، والحكمُ فيه لك لا لي.