تخطَّ إلى المحتوى

٢٨. «الإعجازُ العلميّ»: ما يثبت منه وما لا يثبت

السؤال: يُقال إنّ في القرآن حقائقَ علميّةً لم يعرفها أحدٌ إلا في زماننا، وإنّ هذا وحدَه دليلٌ على أنّه من عند الله. فهل هذا صحيح؟

الجوابُ باختصار: فحصنا أشهرَ هذه الدعاوى واحدةً واحدة، فلم تثبت منها دعوى. ولم تسقط لأنّ الآيات أخطأت، بل لأنّ الدعوى حمّلت الآيةَ ما لم تقله: فالمعنى المدّعى إمّا كان معروفًا قبل القرآن، وإمّا لم نجده في التفاسير التي رجعنا إليها، وإمّا لا تحمله ألفاظُها. والقرآنُ نفسُه، كما رأيتَ في الفصل السابق، يسوق آياتِ الكون مشاهدَ للنظر، ويخاطب بها سامعيه بما يعقلون، لا ألغازًا لا يفهمها من نزلت عليهم. وليس في هذا منعٌ من أن يزيد العلمُ الناظرَ بصيرةً بما أُمر أن ينظر فيه.

ثلاثةُ أسئلةٍ تُفحص بها كلُّ دعوى

١. أكان هذا المعنى معروفًا قبل نزول القرآن؟ فإن كان معروفًا أو شائعًا، لم يكن في ذكره «سبقٌ» إلى علمٍ مجهول، وإن كان المعنى صحيحًا.

٢. هل فهم هذا المعنى من الآية أحدٌ من المفسّرين قبل الاكتشاف؟ فإن لم نجده عند أحدٍ منهم، كان هذا التفسيرُ تابعًا للاكتشاف لا سابقًا له: جاء العلمُ أوّلًا، ثمّ بُحث له عن آية. والمقابلةُ فيما يأتي على تفسيرين: الجلالين والتفسير الميسّر، ومعهما ما نُقل عن الطبريّ في موضعه — وهي عيّنةٌ لا استقصاء، فغايةُ ما تُثبته أنّا لم نجد المعنى فيها. والميسّرُ متأخّرٌ صدر بعد هذه الدعاوى، فلا يشهد على ما فُهم قبلها، وإنّما يشهد بأنّ لجنةً معاصرةً تعرفها لم تأخذ بها.

٣. هل تحمل ألفاظُ الآية هذا المعنى؟ أم تحتمل معنًى آخرَ أظهرَ منه، هو الذي فهمه أهلُ اللغة؟

ومثالُ ذلك: لو قال لك أحدٌ إنّ شاعرًا جاهليًّا «تنبّأ بالهاتف» لأنّه قال: «يأتيني صوتُك من بعيد» — لسألتَه: أكان الصوتُ الآتي من بعيد أمرًا يعرفه الناس؟ نعم، من الرسل والصدى والنداء. وهل فهم أحدٌ البيتَ هاتفًا قبل أن يُخترع الهاتف؟ لا. وهل تحتاج الكلماتُ هذا المعنى؟ لا. فالنبوءةُ في رأس القارئ، لا في البيت.

وهذه الأسئلةُ الثلاثة ليست قسوةً على الدعاوى، بل هي أدنى ما يُطلب في أيّ دعوى علميّة. ومن لم يطبّقها على ما يُنسب إلى القرآن طبّقها عليه خصمُه.

وهي ميزانُ دعوى «السبق» وحدَها، لا ميزانُ معاني القرآن. فدعوى الإعجاز دعوى قطعٍ، والقطعُ لا يقوم على وجهٍ محتمَل. فإن لم نجد المعنى عند المفسّرين الأوّلين سقطت دعوى السبق، ولم يصر المعنى ممتنعًا: فالقرآنُ — كما قال أهلُ العلم — حمّالٌ ذو وجوه، والوجهُ الذي يحتمله اللفظُ في اللغة ولا يعارض أصلًا من أصول الدين يبقى سائغًا لمن قاله، ما لم يُجزم بأنّه مرادُ الله. وبين «هذا وجهٌ تحتمله الآية» و«هذا هو المراد، وهو معجزة» فرقٌ بعيد، وعلى الثاني وحدَه يدور هذا الفصل.

فالساقطُ بهذه الأسئلة الدعوى لا الآية. والمفحوصُ فيما يأتي قولُ المدّعي، لا نصُّ القرآن.


أوّلًا: أطوارُ الجنين

وَلَقَدْ خَلَقْنَا ٱلْإِنسَٰنَ مِن سُلَٰلَةٍۢ مِّن طِينٍۢ

المؤمنون · ١٢

التفسير الميسر

ولقد خلقنا آدم من طين مأخوذ من جميع الأرض.

ثُمَّ جَعَلْنَٰهُ نُطْفَةًۭ فِى قَرَارٍۢ مَّكِينٍۢ

المؤمنون · ١٣

التفسير الميسر

ثم خلقنا بنيه متناسلين مِن نطفة: هي مني الرجال تخرج من أصلابهم، فتستقر متمكنة في أرحام النساء.

ثُمَّ خَلَقْنَا ٱلنُّطْفَةَ عَلَقَةًۭ فَخَلَقْنَا ٱلْعَلَقَةَ مُضْغَةًۭ فَخَلَقْنَا ٱلْمُضْغَةَ عِظَٰمًۭا فَكَسَوْنَا ٱلْعِظَٰمَ لَحْمًۭا ثُمَّ أَنشَأْنَٰهُ خَلْقًا ءَاخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحْسَنُ ٱلْخَٰلِقِينَ

المؤمنون · ١٤

التفسير الميسر

ثم خلقنا النطفة علقة أي: دمًا أحمر، فخلقنا العلقة بعد أربعين يومًا مضغة أي: قطعة لحم قَدْر ما يُمْضغ، فخلقنا المضغة اللينة عظامًا، فكسونا العظام لحمًا، ثم أنشأناه خلقًا آخر بنفخ الروح فيه، فتبارك الله، الذي أحسن كل شيء خلقه.

الدعوى: أنّ ترتيبَ الأطوار في هذه الآيات — نطفة، ثمّ علقة، ثمّ مضغة، ثمّ عظام، ثمّ لحمٌ يكسوها — يطابق علمَ الأجنّة الحديث، وأنّه لم يكن معروفًا حين نزل القرآن. وهذه المقابلةُ مقرَّرةٌ في «إضافاتٍ إسلاميّة» صدرت بها طبعةٌ من كتابٍ جامعيٍّ في علم الأجنّة سنة ١٩٨٣ ١.

هل كان معروفًا قبل القرآن؟ نعم. فقد وصف الطبيبُ اليونانيُّ جالينوس، في القرن الثاني الميلاديّ، أطوارًا أربعةً متعاقبةً لتكوّن الجنين: طورٌ يغلب فيه شكلُ المنيّ، ثمّ طورٌ يمتلئ دمًا وتصير فيه للجنين صورةُ اللحم بعد أن كانت صورةَ المنيّ، ثمّ طورٌ يتبيّن فيه القلبُ والدماغُ والكبد ويرتسم سائرُ الأعضاء إجمالًا، ثمّ طورٌ تتمايز فيه أجزاءُ الأطراف كلُّها ٢. فالمنيُّ والدمُ واللحمُ وتمايزُ الأعضاء كلُّها مذكورةٌ عنده، غير أنّ الدمَ واللحمَ وصفان لطورٍ واحد. فموضعُ الشبه تعاقبُ الأطوار، لا مطابقةُ كلِّ طورٍ بطورِه. ويقول المؤرّخُ جوزيف نيدهام في كتابه عن تاريخ علم الأجنّة إنّ ما في القرآن من ذلك صدًى لما عُرف قبله ٣. وهذه جملةُ حكمٍ ساقها مفردةً، لم يذكر معها مقابلةً بين نصٍّ ونصّ، ولا طريقًا يصل هذا بذاك. فلا تقوم بها دعوى نقل: اتّفاقُ وصفٍ مع وصفٍ ليس أخذًا عنه، وإلّا كان كلُّ من وصف شيئًا بعد غيره ناقلًا عنه. وغايةُ ما فيها — إن صحّت — أنّ المعنى كان معروفًا قبل النزول، وذاك إسقاطُ دعوى «السبق» وحدَها. ويذكر المؤرّخُ بسيم مُسلَّم أنّ الأطباءَ المسلمين في العصور الوسطى رأوا هذا التوافقَ واستعملوا ألفاظَ القرآن في وصف أطوار جالينوس نفسِها ٤.

وماذا فهم المفسّرون؟ العلقةُ عندهم دم. ويقول التفسيرُ الميسّر في آية المؤمنون: «ثم خلقنا النطفة علقة أي: دمًا أحمر». ويقول في آية العلق: «من قطعة دم غليظ أحمر»، ويقول الجلالين: «القطعة اليسيرة من الدم الغليظ». ولم يقل أحدٌ منهم إنّ العلقةَ «شيءٌ يلتصق بجدار الرحم»؛ هذا معنًى جديدٌ لم يعرفه أحدٌ من المفسّرين الأوّلين.

والحكم: الآياتُ تصف خلقَ الإنسان بلغةٍ فهمها سامعوها، ودعوى أنّها أخبرت بعلمٍ لم يكن يُعرف في القرن السابع لا تثبت. وقد رجع عنها أحدُ أشهر من دافع عنها بالإنجليزية، الداعيةُ البريطانيُّ حمزة تزورتزيس، سنة ٢٠١٣، وكتب أنّ سرديّةَ «الإعجاز العلميّ» صارت إحراجًا فكريًّا للمدافعين المسلمين، وعدّ نفسَه منهم ٥.

*وحدُّ هذا الحكم:* سقوطُ دعوى «السبق العلميّ» لا يعني أنّ الآيات أخطأت، ولا أنّها منقولةٌ عن أحد. يعني أنّها لا تصلح دليلًا من هذا الباب بعينه. والآياتُ تصف ما يُشاهَد بأسمائه — نطفةً، ثمّ علقةً، ثمّ مضغةً — على معهود خطاب العرب، ولا تقرّر تعليلًا طبّيًّا لكيفيّة التخلّق. فما في كلام جالينوس من خطأٍ لا يلزم منها، وإنّما وقع الشبهُ في تسمية الأطوار المتتابعة لا في تعليل ما يجري فيها. وما يراه الناظرُ ويسمّيه لا يحتاج ناقلًا عن أحد.


ثانيًا: توسّعُ الكون

وَٱلسَّمَآءَ بَنَيْنَٰهَا بِأَيْي۟دٍۢ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ

الذاريات · ٤٧

التفسير الميسر

والسماء خلقناها وأتقناها، وجعلناها سَقْفًا للأرض بقوة وقدرة عظيمة، وإنا لموسعون لأرجائها وأنحائها.

الدعوى: أنّ ﴿وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ﴾ تعني أنّ الكونَ يتّسع باستمرار، وهو ما اكتشفه الفلكيّون في القرن العشرين.

وماذا فهم المفسّرون؟ يقول الجلالين: «وإنا لموسعون: قادرون، يقال: أد الرجل يئيد: قوي، وأوسع الرجل: صار ذا سعة وقوة». واللفظُ نفسُه، اسمُ الفاعل «المُوسِع»، لم يرد في القرآن إلا في موضعٍ واحدٍ آخر، في آية متعة المطلَّقة (البقرة ٢٣٦): ﴿عَلَى ٱلْمُوسِعِ قَدَرُهُۥ﴾، وفيها يقول الجلالين: «على الموسع: الغني منكم». فالمُوسِعُ في لغة القرآن هو الغنيّ ذو السعة والقدرة.

أمّا التفسيرُ الميسّر فيقول: «وإنا لموسعون لأرجائها وأنحائها»، أي إنّ السماءَ واسعةُ الأرجاء. وهذه سعةُ ما بُني، لا خبرٌ عن توسّعٍ يجري إلى اليوم. ويشهد لذلك ما بعدها مباشرة: ﴿فَنِعْمَ ٱلْمَٰهِدُونَ﴾، ولا يقول أحدٌ إنّ الأرضَ ما زالت تُفرش حتى الآن.

وهل كانت الصورةُ معروفةً قبله؟ وصفُ الله بأنّه يبسط السماوات واردٌ في سفر إشعياء (٤٠: ٢٢) قبل القرآن بقرون. فلو كانت ﴿لَمُوسِعُونَ﴾ دليلًا على العلم بتوسّع الكون، لكانت عبارةُ إشعياء دليلًا عليه قبلها — والحجّةُ التي تُثبت لكلّ من قال شيئًا قريبًا لا تُثبت شيئًا.

والحكم: الدعوى لا تثبت. وتوسّعُ الكون حقيقةٌ علميّةٌ صحيحة، وأظهرُ ما يحتمله اللفظُ والسياقُ السعةُ والقدرة، فلا تصلح الآيةُ دليلًا على سبقٍ إلى خبرٍ فلكيّ.

*وحدُّ هذا الحكم:* أنّ الدعوى لا دليلَ عليها، لا أنّ اللفظَ يمتنع عليه كلُّ معنًى في الكون. فالنفيُ عن كلام الله يحتاج دليلًا كما يحتاجه الإثبات.


ثالثًا: الرتقُ والفتق

أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟ أَنَّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًۭا فَفَتَقْنَٰهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ

الأنبياء · ٣٠

التفسير الميسر

أولم يعلم هؤلاء الذين كفروا أن السموات والأرض كانتا ملتصقتين لا فاصل بينهما، فلا مطر من السماء ولا نبات من الأرض، ففصلناهما بقدرتنا، وأنزلنا المطر من السماء، وأخرجنا النبات من الأرض، وجعلنا من الماء كل شيء حي، أفلا يؤمن هؤلاء الجاحدون فيصدقوا بما يشاهدونه، ويخصُّوا الله بالعبادة؟

الدعوى: أنّ ﴿كَانَتَا رَتْقًۭا فَفَتَقْنَٰهُمَا﴾ وصفٌ لـ«الانفجار العظيم».

وماذا فهم المفسّرون؟ للجلالين قولان: أنّ الله جعل السماءَ سبعًا والأرضَ سبعًا، أو أنّ السماءَ كانت لا تمطر فأمطرت، والأرضَ كانت لا تنبت فأنبتت. ويقول التفسيرُ الميسّر: «كانتا ملتصقتين لا فاصل بينهما، فلا مطر من السماء ولا نبات من الأرض، ففصلناهما بقدرتنا، وأنزلنا المطر من السماء، وأخرجنا النبات من الأرض». وليس في شيءٍ من ذلك كتلةٌ أولى انفجرت.

وانظر إلى أوّل الآية: ﴿أَوَلَمْ يَرَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓا۟﴾. فالآيةُ تحتجّ على المنكرين بما يعلمونه، والتفسيرُ الميسّر يختمها بقوله: «أفلا يؤمن هؤلاء الجاحدون فيصدقوا بما يشاهدونه». ودعوى «السبق العلميّ» تحتاج عكسَ ذلك تمامًا: أن يكون الأمرُ مجهولًا عندهم.

وهل كانت الصورةُ معروفةً قبله؟ نعم. صورةُ سماءٍ وأرضٍ كانتا متّصلتين ثمّ فُصلتا حاضرةٌ في أخبار الخلق عند أممٍ قديمة؛ ففي الأدب السومريّ ذكرُ الزمن الذي فُصلت فيه السماءُ عن الأرض ٦، وفي أخبار المصريين القدماء إلهُ الهواء يرفع السماءَ عن الأرض ٧.

والحكم: الدعوى لا تثبت.

*وحدُّ هذا الحكم:* أنّ الصورةَ كانت معروفةً، فلا سبقَ في مجرّد ذكرها. وليس فيه أنّ الآيةَ مأخوذةٌ عن هذه الأخبار: فاشتراكُ الأمم في أصل خبرٍ من أخبار البدء لا يدلّ على نقلٍ من بعضها إلى بعض، ودعوى النقل تحتاج دليلَها كما تحتاجه دعوى السبق.


رابعًا: إنزالُ الحديد

لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِٱلْبَيِّنَٰتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمِيزَانَ لِيَقُومَ ٱلنَّاسُ بِٱلْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌۭ شَدِيدٌۭ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُۥ وَرُسُلَهُۥ بِٱلْغَيْبِ ۚ إِنَّ ٱللَّهَ قَوِىٌّ عَزِيزٌۭ

الحديد · ٢٥

التفسير الميسر

لقد أرسلنا رسلنا بالحجج الواضحات، وأنزلنا معهم الكتاب بالأحكام والشرائع، وأنزلنا الميزان؛ ليتعامل الناس بينهم بالعدل، وأنزلنا لهم الحديد، فيه قوة شديدة، ومنافع للناس متعددة، وليعلم الله علمًا ظاهرًا للخلق من ينصر دينه ورسله بالغيب. إن الله قوي لا يُقْهَر، عزيز لا يغالَب.

الدعوى: أنّ ﴿وَأَنزَلْنَا ٱلْحَدِيدَ﴾ تعني أنّ الحديدَ جاء من الفضاء، لأنّه يتكوّن في النجوم.

ما معنى «أنزل» في القرآن؟ الفعلُ نفسُه يرد لأشياءَ لا يقول أحدٌ إنّها نزلت من الفضاء: ﴿وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ ٱلْأَنْعَٰمِ ثَمَٰنِيَةَ أَزْوَٰجٍۢ﴾، ويقول التفسيرُ الميسّر: «وخلق لكم من الأنعام ثمانية أنواع». و﴿قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًۭا﴾، ويقول الجلالين: «أي خلقناه لكم». وفي آية الحديد نفسِها قبل ذكره: ﴿وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ ٱلْكِتَٰبَ وَٱلْمِيزَانَ﴾. ويقول الجلالين في الحديد: «أخرجناه من المعادن».

وهل كان معروفًا أنّ من الحديد ما يسقط من السماء؟ نعم. عرف القدماءُ حديدَ النيازك قبل أن يعرفوا صهرَ الحديد من الأرض، وسمّاه المصريّون القدماء «حديدَ السماء» ٨.

والحكم: الدعوى لا تثبت. فالمعنى الذي فهمه المفسّرون من «أنزل» معنًى تستعمله اللغةُ في غير الحديد، ولو صحّ المعنى المدّعى لما كان جديدًا.


خامسًا: البرزخُ بين البحرين

مَرَجَ ٱلْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ

الرحمن · ١٩

التفسير الميسر

خلط الله ماء البحرين - العذب والملح- يلتقيان. بينهما حاجز، فلا يطغى أحدهما على الآخر، ويذهب بخصائصه، بل يبقى العذب عذبًا، والملح ملحًا مع تلاقيهما.

بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌۭ لَّا يَبْغِيَانِ

الرحمن · ٢٠

التفسير الميسر

خلط الله ماء البحرين - العذب والملح- يلتقيان. بينهما حاجز، فلا يطغى أحدهما على الآخر، ويذهب بخصائصه، بل يبقى العذب عذبًا، والملح ملحًا مع تلاقيهما.

الدعوى: أنّ الآيتين تصفان ما اكتشفه علمُ البحار من حدودٍ بين كتل الماء المختلفة في الملوحة والحرارة، لا تختلط اختلاطًا تامًّا.

وماذا فهم المفسّرون؟ يقول الجلالين في ﴿يَلْتَقِيَانِ﴾: «في رأي العين»، أي في ما تراه العين. وفي آية الفرقان وصفُ البحرين: ﴿هَٰذَا عَذْبٌۭ فُرَاتٌۭ وَهَٰذَا مِلْحٌ أُجَاجٌۭ﴾، أي بحرٌ عذبٌ وبحرٌ مالح، وهذا مشهدٌ يراه كلُّ من وقف عند مصبّ نهرٍ في بحر. ومن المفسّرين من فسّر البحرين ببحر السماء وبحر الأرض. وهو قولٌ رواه الطبريُّ بإسناده عن ابن عبّاس وسعيد بن جبير وعبد الرحمن بن أبزى، ثمّ رجّحه واحتجّ له بأنّ الله ذكر خروج اللؤلؤ والمرجان منهما، وأنّهما إنّما يخرجان من أصداف بحر الأرض عن قطر ماء السماء ٩. ولم يفهم أحدٌ منهم من الآية حدودًا بين كتل ماءٍ مالحٍ في عمق المحيط.

والحكم: الدعوى لا تثبت. فالتقاءُ العذب والمالح أمرٌ يراه الناظرُ ويذوقه البحّار، والآيةُ تُريه إيّاه آيةً.


وسائرُ الدعاوى المشهورة

وهذه بقيّةُ ما فُحص، مختصرًا. والأسبابُ فيها هي الأسبابُ الثلاثة نفسُها.

*وحدُّ ما يأتي:* ليس في شيءٍ منه دعوى أنّ الآيةَ أُخذت عمّن سبقها؛ وجودُ المعنى عند غيرها يُسقط دعوى «السبق» وحدَها. والقرآنُ يخاطب قومًا بما يعرفونه عمدًا، لأنّه يحتجّ عليهم بالمشاهَد لا بالمجهول.

الدعوىالموضعلماذا لا تثبت
﴿وَجَعَلْنَا مِنَ ٱلْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَىٍّ﴾ سبقٌ إلى علم الأحياءالأنبياء ٣٠قال الفيلسوفُ اليونانيُّ طاليس إنّ الماءَ أصلُ كلّ شيء، وعلّل ذلك بأنّ غذاءَ الأحياء وبذورَها رطبة ١٠؛ والجلالين: «النازل من السماء والنابع من الأرض… فالماء سبب لحياته»
﴿مِنْ عَلَقٍ﴾ هو التصاقُ الجنين بالرحمالعلق ٢الميسّر: «قطعة دم غليظ أحمر»، والجلالين: «القطعة اليسيرة من الدم الغليظ»؛ ولم يقل أحدٌ منهم بالالتصاق بجدار الرحم
﴿وَٱلْجِبَالَ أَوْتَادًۭا﴾ سبقٌ إلى جذور الجبالالنبأ ٧الجلالين: «تثبت بها الأرض كما تثبت الخيام بالأوتاد» — صورةُ خيمةٍ يعرفها كلُّ عربيّ؛ ولم يفهم منها أحدٌ علمَ طبقات الأرض
﴿سَقْفًۭا مَّحْفُوظًۭا﴾ هو الغلافُ الجوّيّالأنبياء ٣٢الجلالين: «للأرض كالسقف للبيت، محفوظًا عن الوقوع»؛ والسماءُ سقفًا صورةٌ مألوفةٌ عند أمم الشرق القديم
﴿كَظُلُمَٰتٍۢ فِى بَحْرٍۢ لُّجِّىٍّۢ﴾ سبقٌ إلى ظلمة الأعماقالنور ٤٠الآيةُ مَثَلٌ لأعمال الكافرين بنصّ التفسيرين: «أو تكون أعمالهم مثل ظلمات…»؛ وظلمةُ البحر تحت الموج والسحاب يعرفها كلُّ بحّار
﴿نَاصِيَةٍۢ كَٰذِبَةٍ خَاطِئَةٍۢ﴾ هي منطقةُ الكذب في الدماغالعلق ١٦الجلالين: «وصفها بذلك مجازًا والمراد صاحبها» — فالكاذبُ صاحبُ الناصية لا الناصيةُ نفسُها
﴿نُّسَوِّىَ بَنَانَهُۥ﴾ سبقٌ إلى بصمات الأصابعالقيامة ٤الجلالين: «أي نعيد عظامها كما كانت مع صغرها فكيف بالكبيرة» — أي القدرةُ على البعث؛ ولم يذكر أحدٌ من المفسّرين البصمة
﴿وَأَرْسَلْنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ﴾ سبقٌ إلى تلقيح السحاب بنوى التكثّفالحجر ٢٢الجلالين: «تلقح السحاب فيمتلئ ماء» — حملُ الماء لا نوى تكثّف. وكان تلقيحُ الشجر بالريح معروفًا قبل النزول، وأهلُ المدينة يُؤبّرون نخلَهم أي يُلقّحونه بأيديهم، والخبرُ أخرجه مسلمٌ من حديث أنسٍ ورافع بن خديج
﴿نَأْتِى ٱلْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ سبقٌ إلى تفلطح الأرض عند القطبينالرعد ٤١الميسّر: «بفتح المسلمين بلاد المشركين وإلحاقها ببلاد المسلمين»، والجلالين: «بالفتح على النبي صلى الله عليه وسلم» — فالنقصُ عندهما فتحُ البلاد لا شكلُ الأرض
﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَٰهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ سبقٌ إلى مستقبِلات الألم في الجلدالنساء ٥٦الميسّر: «ليستمر عذابهم وألمهم»، والجلالين: «ليقاسوا شدّته» — المعنى دوامُ العذاب لا وظيفةُ الجلد؛ وأنّ الحريق يؤلم الجلدَ معروفٌ لكلّ أحد
﴿وَٱلشَّمْسُ تَجْرِى لِمُسْتَقَرٍّۢ لَّهَا﴾ هو دورانُ الشمس حول مركز المجرّةيس ٣٨الميسّر: «قدَّره الله لها لا تتعداه ولا تقصر عنه»، والجلالين: «أي إليه لا تتجاوزه» — فالمستقرُّ عندهما حدٌّ قدّره الله؛ ولا ذكرَ لمجرّة
﴿فِيهِ شِفَآءٌۭ لِّلنَّاسِ﴾ سبقٌ إلى أنّ العسل مضادٌّ للجراثيمالنحل ٦٩الميسّر: «شفاء للناس من الأمراض»، والجلالين: «من الأوجاع» — شفاءٌ عامّ؛ ومداواةُ الجروح بالعسل مدوَّنةٌ قبل النزول بقرون
﴿قَالَتْ نَمْلَةٌۭ﴾ سبقٌ إلى تواصل النملالنمل ١٨الجلالين: «نزل النمل منزلة العقلاء في الخطاب» — وإنّما يصف صيغةَ الخطاب لا يَنفي وقوعَ الخبر، والميسّر يجعل الخبرَ فهمَ سليمان لقولها. والخبرُ واقعٌ بنصّ القرآن، والمنفيُّ أن تكون الآيةُ خبرًا عن كشفٍ حديثٍ في تواصل النمل؛ وتنبيهُ النمل بعضِه بعضًا مذكورٌ قبل الإسلام
﴿وَٱلسَّمَآءِ ذَاتِ ٱلرَّجْعِ﴾ هو ارتدادُ الموجات عن طبقات الجوّالطارق ١١الميسّر: «ذات المطر المتكرر»، والجلالين: «المطر لعوده كل حين» — فالرجعُ عندهما المطر؛ ولا ذكرَ فيهما لانعكاسٍ عن طبقات الجوّ
﴿يُكَوِّرُ ٱلَّيْلَ عَلَى ٱلنَّهَارِ﴾ سبقٌ إلى كرويّة الأرضالزمر ٥الميسّر: «يجيء بالليل ويذهب بالنهار»، والجلالين: يُدخل «الليل على النهار» فيزيد — تعاقبٌ وتداخل؛ وكرويّةُ الأرض بُرهن عليها قبل النزول بنحو ألف عام

لماذا لا يحتاج القرآنُ هذه الدعاوى؟

أوّلًا: لأنّ القرآنَ نفسَه لا يعرض الكونَ هكذا. رأيتَ في الفصل السابق كيف يسوق آياتِ الكون: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟﴾ · ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ · ﴿لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ﴾. يُشير إلى الظاهر الذي يراه الناس، ويطلب منهم أن يفكّروا فيه. ودعوى «السبق العلميّ» تقلب ذلك: تجعل الآيةَ لغزًا لم يفهمه سامعوه، وتنتظر مختبرًا بعد أربعة عشر قرنًا ليكشفه. فهي تُضعف الاستدلالَ بالآية من حيث تريد نصرَها.

ثانيًا: لأنّ في أئمّة أهل العلم من أنكر إضافةَ العلوم إلى القرآن على وجه الدعوى قبل أن ينكرها خصومُهم. فقد نبّه الإمامُ الشاطبيّ في «الموافقات» إلى أنّ قومًا أضافوا إلى القرآن كلَّ علمٍ من علوم الطبيعة وسائرِ الفنون، وأنّ هذا لا يصحّ. ومبنى إنكاره أنّ هذه الشريعةَ أمّيّة: خطابُها جرى على معهود العرب الأمّيين، فلا يُحمَّل من العلوم ما لم يكن في معهودهم. ثمّ استشهد على ذلك بأنّ السلفَ من الصحابة والتابعين — وهم أعلمُ الناس بالقرآن — لم يتكلّموا في شيءٍ من ذلك المدَّعى، سوى ما ثبت فيه من أحكام التكاليف وأحكام الآخرة ١١. والمسألةُ مختلَفٌ فيها بين أهل العلم: منهم من وسّع، كالغزاليّ في «جواهر القرآن» ونقله عنه السيوطيُّ في «الإتقان»، وأشهرُ من ضيّق الشاطبيّ.

ثالثًا: لأنّ الدعوى الضعيفة تضرّ ولا تنفع. من قرأ أنّ القرآنَ «سبق العلمَ» في مسألة، ثمّ اكتشف أنّ هذا غيرُ صحيح، لم يفقد ثقتَه في الدعوى وحدَها، بل ربّما في القرآن نفسِه، مع أنّ الخطأ خطأُ من ادّعى لا خطأُ الآية.

فأين تقف أنت؟

إذا جاءك أحدٌ بـ«إعجازٍ علميٍّ» جديد، فاسأله الأسئلةَ الثلاثة: أكان معروفًا قبل القرآن؟ هل فهمه المفسّرون الأوّلون؟ هل تحمله الألفاظ؟ فإن سقط في واحدٍ منها فلا تحمله على كتفك.

وسقوطُ هذه الدعاوى لا يُسقط سؤالَ هذا الباب: هل تكلّم اللهُ؟ فالقرآنُ لم يقل عن نفسه إنّه كتابٌ في الفلك أو الطبّ. قال إنّه كلامُ الله، وتحدّى أن يُؤتى بسورةٍ من مثله، وطلب من قارئه أن ينظر في الكون ويعقل. وهذا هو ما يُوزن بالمعايير الخمسة في الفصل الثاني والعشرين، لا ما ينسبه إليه غيرُه.