٢٧. كيف يعرض القرآنُ الكونَ؟
السؤال: حين يتكلّم القرآنُ عن السماء والأرض والمطر والإنسان، ماذا يطلب من قارئه؟
الجوابُ باختصار: يطلب منه أن ينظر إلى ما يراه كلَّ يوم، ثمّ يفكّر فيه. فكثيرٌ من آيات الكون تبدأ بسؤال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا۟﴾، أو تختم بأنّ في ذلك آياتٍ ﴿لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ﴾. وهي لا تبني حجّتَها على سرٍّ خفيّ، بل تُشير إلى الظاهر المألوف، وتقول: هذا نفسُه آية.
أوّلًا: انظر إلى ما تراه
في سورة الروم ستُّ آياتٍ متتالية، تبدأ كلُّ واحدةٍ منها بالكلمات نفسِها: ﴿وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ﴾. وهذه هي، كما في المصحف، وتحت كلٍّ منها تفسيرُها:
وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍۢ ثُمَّ إِذَآ أَنتُم بَشَرٌۭ تَنتَشِرُونَ
التفسير الميسر
ومن آيات الله الدالة على عظمته وكمال قدرته أن خلق أباكم آدم من تراب، ثم أنتم بشر تتناسلون منتشرين في الأرض، تبتغون من فضل الله.
وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًۭا لِّتَسْكُنُوٓا۟ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةًۭ وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ
التفسير الميسر
ومن آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته أن خلق لأجلكم من جنسكم -أيها الرجال- أزواجًا؛ لتطمئن نفوسكم إليها وتسكن، وجعل بين المرأة وزوجها محبة وشفقة، إن في خلق الله ذلك لآيات دالة على قدرة الله ووحدانيته لقوم يتفكرون، ويتدبرون.
وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ خَلْقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَٰنِكُمْ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّلْعَٰلِمِينَ
التفسير الميسر
ومن دلائل القدرة الربانية: خَلْقُ السموات وارتفاعها بغير عمد، وخَلْقُ الأرض مع اتساعها وامتدادها، واختلافُ لغاتكم وتباينُ ألوانكم، إن في هذا لَعبرة لكل ذي علم وبصيرة.
وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ مَنَامُكُم بِٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱبْتِغَآؤُكُم مِّن فَضْلِهِۦٓ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَسْمَعُونَ
التفسير الميسر
ومن دلائل هذه القدرة أن جعل الله النوم راحة لكم في الليل أو النهار؛ إذ في النوم حصول الراحة وذهاب التعب، وجعل لكم النهار تنتشرون فيه لطلب الرزق، إن في ذلك لدلائل على كمال قدرة الله ونفوذ مشيئته لقوم يسمعون المواعظ سماع تأمل وتفكر واعتبار.
وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦ يُرِيكُمُ ٱلْبَرْقَ خَوْفًۭا وَطَمَعًۭا وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءًۭ فَيُحْىِۦ بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَآ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ
التفسير الميسر
ومن دلائل قدرته سبحانه أن يريكم البرق، فتخافون من الصواعق، وتطمعون في الغيث، وينزل من السحاب مطرًا فيحيي به الأرض بعد جدبها وجفافها، إن في هذا لدليلا على كمال قدرة الله وعظيم حكمته وإحسانه لكل مَن لديه عقل يهتدي به.
وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَن تَقُومَ ٱلسَّمَآءُ وَٱلْأَرْضُ بِأَمْرِهِۦ ۚ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةًۭ مِّنَ ٱلْأَرْضِ إِذَآ أَنتُمْ تَخْرُجُونَ
التفسير الميسر
ومن آياته الدالة على قدرته قيام السماء والأرض واستقرارهما وثباتهما بأمره، فلم تتزلزلا ولم تسقط السماء على الأرض، ثم إذا دعاكم الله إلى البعث يوم القيامة، إذا أنتم تخرجون من القبور مسرعين.
وانظر فيما تذكره هذه الآيات: خلقُ الإنسان، والزواجُ والمودّة بين الزوجين، واختلافُ اللغات والألوان، والنومُ، والبرقُ والمطر، وثباتُ السماء والأرض. ليس في مواضع النظر التي تدعوك إليها هذه الآياتُ شيءٌ لا يعرفه راعٍ في الصحراء قبل ألفٍ وأربعمئة سنة. وهذا بعينه موضعُ الحجّة فيها: أنّ المألوفَ الذي اعتدناه حتى لم نعد نراه هو نفسُه الآية.
ومثالُ ذلك أنّك لا تتعجّب من الكهرباء في بيتك لأنّها معك كلَّ يوم؛ فإذا انقطعت ليلةً عرفتَ كم كنتَ تعتمد عليها دون أن تنتبه. والآياتُ هنا تُريد أن تُريك ما في يديك قبل أن ينقطع: أنّ استيقاظَك كلَّ صباح، وأنّ مطرًا ينزل على أرضٍ ميتةٍ فتحيا، ليسا أمرين عاديّين إلا لأنّك اعتدتهما.
ثانيًا: الشمسُ والقمرُ آيتان، لا إلهان
عبد الناسُ في أزمنةٍ كثيرةٍ ما رأوه عظيمًا في السماء. ويذكر القرآنُ ذلك عن قومٍ بأعيانهم، على لسان الهدهد في خبر ملكة سبأ (النمل ٢٤): ﴿وَجَدتُّهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ﴾.
وفي سورة فصّلت يأتي الحكمُ في ذلك صريحًا:
وَمِنْ ءَايَٰتِهِ ٱلَّيْلُ وَٱلنَّهَارُ وَٱلشَّمْسُ وَٱلْقَمَرُ ۚ لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَٱسْجُدُوا۟ لِلَّهِ ٱلَّذِى خَلَقَهُنَّ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ
التفسير الميسر
ومِن حجج الله على خلقه، ودلائله على وحدانيته وكمال قدرته اختلاف الليل والنهار، وتعاقبهما، واختلاف الشمس والقمر وتعاقبهما، كل ذلك تحت تسخيره وقهره. لا تسجدوا للشمس ولا للقمر- فإنهما مدَبَّران مخلوقان- واسجدوا لله الذي خلقهن، إن كنتم حقًّا منقادين لأمره سامعين مطيعين له، تعبدونه وحده لا شريك له.
فالآيةُ تعدّ الليلَ والنهارَ والشمسَ والقمرَ آياتٍ — أي علاماتٍ تدلّ على غيرها — ثمّ تنهى عن السجود لها: ﴿لَا تَسْجُدُوا۟ لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾. ويعلّل التفسيرُ الميسّر هذا النهيَ بقوله: «فإنهما مدَبَّران مخلوقان». والنهيُ شطرُ الحكم، وتمامُه الأمرُ بالسجود لله وحده، وبه يختم الميسّرُ شرحَه: «واسجدوا لله الذي خلقهن، إن كنتم حقًّا منقادين لأمره سامعين مطيعين له، تعبدونه وحده لا شريك له». فمقصودُ الآية الأوّلُ إفرادُ الخالق بالعبادة، ونفيُ الألوهيّة عن الشمس والقمر طريقٌ إليه.
وهذه نقلةٌ لها وزنُها: فالشمسُ في هذا النصّ ليست قوّةً تُعبد، ولا سرًّا يُخاف منه، بل مخلوقٌ يسير بتدبيرٍ، يُنظر إليه ويُفكَّر فيه. والكونُ الذي هو «آية» كونٌ يمكن أن يُدرَس ويُفهَم، لا كونٌ تتنازعه إراداتٌ لا تنضبط.
ثالثًا: لمن تكون هذه آيات؟
تختم آياتُ الكون في القرآن كثيرًا بأنّها آياتٌ لصنفٍ من الناس بعينه. واقرأ هاتين الآيتين:
إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ وَٱلْفُلْكِ ٱلَّتِى تَجْرِى فِى ٱلْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ وَمَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن مَّآءٍۢ فَأَحْيَا بِهِ ٱلْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍۢ وَتَصْرِيفِ ٱلرِّيَٰحِ وَٱلسَّحَابِ ٱلْمُسَخَّرِ بَيْنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلْأَرْضِ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ
التفسير الميسر
إن في خلق السماوات بارتفاعها واتساعها، والأرض بجبالها وسهولها وبحارها، وفي اختلاف الليل والنهار من الطول والقصر، والظلمة والنور، وتعاقبهما بأن يخلف كل منهما الآخر، وفي السفن الجارية في البحار، التي تحمل ما ينفع الناس، وما أنزل الله من السماء من ماء المطر، فأحيا به الأرض، فصارت مخضرَّة ذات بهجة بعد أن كانت يابسة لا نبات فيها، وما نشره الله فيها من كل ما دبَّ على وجه الأرض، وما أنعم به عليكم من تقليب الرياح وتوجيهها، والسحاب المسيَّر بين السماء والأرض -إن في كل الدلائل السابقة لآياتٍ على وحدانية الله، وجليل نعمه، لقوم يعقلون مواضع الحجج، ويفهمون أدلته سبحانه على وحدانيته، واستحقاقه وحده للعبادة.
إِنَّ فِى خَلْقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ وَٱخْتِلَٰفِ ٱلَّيْلِ وَٱلنَّهَارِ لَءَايَٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ
التفسير الميسر
إن في خلق السموات والأرض على غير مثال سابق، وفي تعاقُب الليل والنهار، واختلافهما طولا وقِصَرًا لدلائل وبراهين عظيمة على وحدانية الله لأصحاب العقول السليمة.
الأولى تختم بـ﴿لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ﴾، والثانية بـ﴿لَءَايَٰتٍۢ لِّأُو۟لِى ٱلْأَلْبَٰبِ﴾. ويشرح التفسيرُ الميسّر الأولى بأنّها آياتٌ «لقوم يعقلون مواضع الحجج، ويفهمون أدلته سبحانه على وحدانيته، واستحقاقه وحده للعبادة»، والثانية بأنّها دلائلُ «لأصحاب العقول السليمة».
فالخطابُ في آيات الكون موجَّهٌ إلى العقل. لا تقول هذه الآيات: صدّق ولا تسأل، بل تقول: انظر، وفكّر، واعقل. وفي سورة يونس أمرٌ صريحٌ بذلك:
قُلِ ٱنظُرُوا۟ مَاذَا فِى ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلْأَرْضِ ۚ وَمَا تُغْنِى ٱلْءَايَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوْمٍۢ لَّا يُؤْمِنُونَ
التفسير الميسر
قل -أيها الرسول- لقومك: تفكروا واعتبروا بما في السموات والأرض من آيات الله البينات، ولكن الآيات والعبر والرسل المنذرة عباد الله عقابه، لا تنفع قومًا لا يؤمنون بشيء من ذلك؛ لإعراضهم وعنادهم.
ويشرحها التفسيرُ الميسّر: «تفكروا واعتبروا بما في السموات والأرض من آيات الله البينات، ولكن الآيات والعبر والرسل المنذرة عباد الله عقابه، لا تنفع قومًا لا يؤمنون بشيء من ذلك؛ لإعراضهم وعنادهم». فالأمرُ بالنظر قائمٌ على كلّ حال؛ وإنّما يُخبر الميسّرُ عمّن لا ينتفع بالدليل، لا عن دليلٍ يسقط.
رابعًا: ماءٌ واحد، وثمراتٌ مختلفة
ومن أدقّ ما في هذا الباب آيةٌ من سورة الرعد:
وَفِى ٱلْأَرْضِ قِطَعٌۭ مُّتَجَٰوِرَٰتٌۭ وَجَنَّٰتٌۭ مِّنْ أَعْنَٰبٍۢ وَزَرْعٌۭ وَنَخِيلٌۭ صِنْوَانٌۭ وَغَيْرُ صِنْوَانٍۢ يُسْقَىٰ بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَىٰ بَعْضٍۢ فِى ٱلْأُكُلِ ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ
التفسير الميسر
وفي الأرض قطع يجاور بعضها بعضًا، منها ما هو طيِّب يُنبتُ ما ينفع الناس، ومنها سَبِخة مِلْحة لا تُنبت شيئًا، وفي الأرض الطيبة بساتين من أعناب، وجعل فيها زروعًا مختلفة ونخيلا مجتمعًا في منبت واحد، وغير مجتمع فيه، كل ذلك في تربة واحدة، ويشرب من ماء واحد، ولكنه يختلف في الثمار والحجم والطعم وغير ذلك، فهذا حلو وهذا حامض، وبعضها أفضل من بعض في الأكل، إن في ذلك لَعلامات لمن كان له قلب يعقل عن الله تعالى أمره ونهيه.
قطعُ أرضٍ متجاورة، تُسقى ﴿بِمَآءٍۢ وَٰحِدٍۢ﴾، ثمّ يختلف ما يخرج منها. ويقول التفسيرُ الميسّر: «كل ذلك في تربة واحدة، ويشرب من ماء واحد، ولكنه يختلف في الثمار والحجم والطعم وغير ذلك، فهذا حلو وهذا حامض، وبعضها أفضل من بعض في الأكل».
وهذا مشهدٌ يعرفه كلُّ من زار حقلًا أو اشترى فاكهةً من سوق: نخلتان متجاورتان تشربان من ساقيةٍ واحدة، وتمرُ إحداهما غيرُ تمر الأخرى. والآيةُ لا تدع هذا الفرقَ بلا نسبة: فالتفضيلُ في الثمر منسوبٌ في نصّها إلى الله بضمير المتكلّم. ومردُّ الاختلاف مع اتّحاد الماء والتربة فاعلٌ يختار، لا طبيعةٌ في الأرض توجبه بذاتها. وهي مع ذلك لا تشرح كيف يقع هذا، بل تجعل وقوعَه نفسَه موضعَ تفكّر. ومعرفةُ السبب الطبيعيّ لا تُبطل الآية: العلمُ يصف كيف يقع، والآيةُ تسأل عمّن أجراه على هذا النظام المطّرد. والقرآنُ نفسُه يذكر السببَ وينسب الفعلَ إلى الله في السياق الواحد — كما في آيات المطر من سورة الروم — فليس السببُ منافسًا للخالق بل من تدبيره.
خامسًا: الإنسانُ نفسُه آية
ولا تقف الآياتُ عند السماء والأرض، بل تعود إلى الإنسان نفسِه:
وَفِى ٱلْأَرْضِ ءَايَٰتٌۭ لِّلْمُوقِنِينَ
التفسير الميسر
وفي الأرض عبر ودلائل واضحة على قدرة خلقها لأهل اليقين بأن الله هو الإله الحق وحده لا شريك له، والمصدِّقين لرسوله صلى الله عليه وسلم.
وَفِىٓ أَنفُسِكُمْ ۚ أَفَلَا تُبْصِرُونَ
التفسير الميسر
وفي خلق أنفسكم دلائل على قدرة الله تعالى، وعبر تدلكم على وحدانية خالقكم، وأنه لا إله لكم يستحق العبادة سواه، أغَفَلتم عنها، فلا تبصرون ذلك، فتعتبرون به؟
وسؤالُ الآية الثانية ﴿أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ سؤالٌ لكلّ واحدٍ منّا: جسدُك الذي يعمل وأنت نائم، وعينُك التي تقرأ هذه السطور الآن، وقلبُك الذي لم يستأذنك في نبضة — كلُّ ذلك عندك، فهل تراه؟
فأين تقف أنت؟
هذه الآياتُ لا تبدأ معك بخبرٍ عن غيب، بل تبدأ من حيث تقف أنت. وأمّا الغيبُ — كالبعث الذي ختمت به آياتُ الروم الستّ — فطريقُه الخبر: يُصدَّق لأنّ الذي أخبر به ثبت صدقُه، لا لأنّك تقدر على التحقّق منه. وهي تطلب منك أن تنظر في ما تراه بعينك، وتسأل: لماذا هو هكذا؟ ولماذا هو منتظمٌ إلى هذا الحدّ؟
والجوابُ عن هذا السؤال بالعقل وحدَه هو ما شغل أبوابَ هذا الكتاب الأولى: لماذا يوجد شيءٌ بدلَ لا شيء، ولماذا ضُبط الكون، ولماذا نفهمه. والقرآنُ هنا يوجّه النظرَ إلى المواضع نفسِها.
ويبقى سؤالٌ لا بدّ منه: ماذا عمّا يُقال اليوم إنّ القرآن سبق فيه العلمَ الحديث؟ وهو موضوعُ الفصل التالي.