تخطَّ إلى المحتوى

الفصل الثاني: العمرُ — فيمَ أفناه

الساعةُ على الجدار

قاعةُ الدنيا

ساعةٌ مستديرةٌ فوق السبّورة، عقربُها الثاني يتنقّل بنقرةٍ مسموعة. في الدقائقِ الأولى لا يلتفت إليها أحد؛ الوقتُ حينَها كثيرٌ حتى يكاد يُملّ. وفي آخرِ رُبعِ ساعةٍ تصير هي وحدَها موضوعَ القاعة: كلُّ رأسٍ يرتفع إليها، وكلُّ يدٍ تُسرع، وخطٌّ جميلٌ في أوّلِ الورقةِ يصير في آخرِها ركضًا.

القاعةُ الكبرى

ولا ساعةَ على الجدارِ هناك، لأنّ الوقتَ كان يُحسَب وأنت لا تنظر. وحين يُقال: انتهى الوقت، تكتشف أنّ ما حسِبتَه أوّلَ الجلسةِ كان آخرَها، وأنّ الرُّبعَ الأخيرَ مرَّ عليك وأنت تظنّه أوّلَ الدرس.

صيغتُه في القاعةِ الصغرى: سطرٌ مطبوعٌ في رأسِ الكرّاس: «زمنُ الإجابة: ساعتان. لا يُسمَح بالخروجِ قبل انقضاءِ نصفِ الوقت.» يُقرأ في ثانيةٍ ولا يُفهَم حقًّا إلا في العشرِ الأخيرة.

وصيغتُه في القاعةِ الكبرى: عن عمرِك فيمَ أفنيتَه؟ وليس السؤالُ: كم عشت؟ فذاك رقمٌ في بطاقة، وإنّما: فيمَ أذهبتَ الساعاتِ التي كانت في يدِك؟ والفرقُ بين الصيغتين هو الفرقُ بين رصيدٍ ومَصرِف؛ فالرصيدُ يُذكَر ولا يُسأل عنه، والمَصرِفُ هو الذي يُسأل.

وليس في هذه القاعةِ ما يسمّيه الطلابُ «وقتًا إضافيًّا». في الصغرى قد يستعطف الطالبُ المراقبَ فيُغضي له عن دقيقة، ويُدرك في تلك الدقيقةِ سطرًا كان ناقصًا. وفي الكبرى ينتهي الوقتُ عند حدِّه، لا يتقدّم ولا يتأخّر، وأشدُّ ما في الأمرِ أنّ الطالبَ لا يسمع الجرسَ قادمًا؛ يظنّ أنّ أمامه بقيّةً وهو في السطرِ الأخير.

وفي القاعةِ الصغرى مَن يخرج قبل انتهاءِ الوقتِ فرحًا بأنّه أنهى، ومنهم مَن خرج لأنّه يئس. والمشهدُ واحدٌ من بعيد: كرّاسٌ يُسلَّم وبابٌ يُفتَح وخطواتٌ تبتعد في الممرّ. وإنّما يفترق الرجلانِ عند التصحيح، حين تُقرأ الورقتان.

وشاهدُه: البندُ الأوّلُ من حديثِ الترمذيِّ المتقدّم. وفي وصفِ مَن يعمل حسابَ ما بعد الجرس، ومَن يترك ورقتَه للأماني: «الكيِّسُ مَن دانَ نفسَه وعمِلَ لما بعدَ الموت، والعاجزُ مَن أتبعَ نفسَه هواها وتمنّى على الله»

ومَن أراد أن يعرف كيف يجلس في القاعةِ من غير أن يستوطنَها فهذه الجِلسة: «كنْ في الدنيا كأنَّك غريبٌ أو عابرُ سبيل»