القاعةُ الأخرى
فالفتى — وهو يقلب ورقته الآن — جالسٌ في قاعتين في وقتٍ واحد. قاعةٌ يراها: جدرانٌ وسبّورةٌ ومروحةٌ تدور. وقاعةٌ لا يراها: أوسعُ منها بما لا يُقاس، سقفُها السماء، وأرضُها هذه الأرض، ومقعدُه فيها هو عمرُه كلُّه. دخلها يوم وُلد، وسيخرج منها يوم يُحمَل. وليس فيها ورقةٌ واحدة، بل كلُّ ما يقع له ورقةُ أسئلة.
ذلك أنّ الوجود الإنسانيّ ليس عبثًا مسترسلًا في فضاء الصدفة، ولا رحلةً عشوائيّةً تخلو من الغاية والمصير. بل هي — في التصوّر الإسلاميّ الرصين — دارُ ممرٍّ لا مقرّ، ومنزلُ عبورٍ لا محلُّ حبور، وشقّةُ سفرٍ وعملٍ لا دارُ إقامةٍ وجزاء. والفرقُ بين رجلين في هذه الدنيا ليس في ما ينزل بهما، بل في أيّ القاعتين يحسب نفسه جالسًا.
وليست القاعتان متعاقبتين، واحدةٌ تنتهي فتبدأ الأخرى، بل هما جاريتان في وقتٍ واحد. ففي اللحظة التي يقرّر فيها الفتى أن ينقل من ورقة جاره، تجري في القاعة الصغرى حركةُ عينٍ لا يراها المراقب، وتجري في القاعة الكبرى حركةٌ أخرى: قلمٌ يكتب، وسطرٌ يُثبَّت. الفعلُ واحد، والتسجيلُ اثنان. وهذا هو مفتاح هذا الكتاب كلِّه: أنّك في كلّ ثانيةٍ تفعل فعلًا واحدًا، ويُقيَّد في سجلَّين.
حين يُفتح الظرف
يفضّ المراقبُ الختمَ أمام الطلبة، فترتفع الرؤوسُ دفعةً واحدة. ورقةٌ واحدة على كلّ طاولة، وزمنٌ معلومٌ مكتوبٌ في أعلاها، وبعده لا يُقبل قلم.
لا ظرفَ يُفضّ ولا إعلانَ يُسمَع. الأسئلةُ تنزل واحدًا بعد واحد في هيئة يومٍ عاديّ: مالٌ يزيد، وصديقٌ يخذل، ومرضٌ يطول، وفرصةُ صدقٍ تمرّ في ثانية. والزمنُ معلومٌ عند صاحب القاعة، غيرُ مكتوبٍ في أعلى الورقة.
الرقمُ على المقعد
رقمٌ صغيرٌ بالطباشير على ظهر الكرسيّ. لم يختره الطالب ولم يُستشَر فيه. مقعدٌ قرب النافذة يدخله الهواء، وآخرُ تحت المكيّف يقشعرّ صاحبه، وثالثٌ في الصفّ الأوّل تحت عين المراقب.
لم يختر أحدٌ زمانه ولا أبويه ولا صورته ولا صحّته. هذا في سَعةٍ وهذا في ضيق، وهذا معافًى وهذا مبتلًى. والمقعدُ ليس هو الدرجة؛ إنّما الدرجةُ ما كُتب على الورقة وأنت جالسٌ فيه.