Skip to content

الفصل الأول: صرخةُ الميلاد واستلامُ الورقة

# الباب الأول: الجرسُ الأوّل

قاعتان تجريان في وقتٍ واحد، والطالبُ فيهما واحد. قاعةٌ يراها بعينَيه: جدرانٌ مطليّةٌ بلونٍ باهت، ومقاعدُ مرقّمةٌ بخطٍّ رديء، وساعةٌ معلّقةٌ فوق اللوح، ومراقبٌ يمشي بين الصفوفِ فتُسمَع خطاه فتنحني الرؤوس. وقاعةٌ لا يراها: أوسعُ من أن يُحيطَ بها بصر، والمقاعدُ فيها بعددِ الأنفاس، والمراقبُ فيها لا ينام ولا يغفل ولا تخفى عليه سريرة. يدخل الطالبُ الأولى فيحسبُ أنّه دخل واحدة، وهو في اللحظةِ نفسِها قد جلس في الثانية، واستلم فيها ورقةً لا تُشبه ورقة.

ولستُ أطلب من القارئِ أن يتخيّل شيئًا لم يعشْه؛ فكلُّنا جلس في لجنة، وكلُّنا عرف رجفةَ اليدِ ساعةَ توزيعِ الورق، وسمع الجرسَ يقطع الجملةَ في منتصفها. وإنّما أطلب منه أن ينقل ما يعرفه من القاعةِ الصغرى إلى الكبرى؛ فالمعاني واحدة، والفرقُ في الحجمِ وفي مَن يُصحّح.

وهذا البابُ كلُّه عن الدقائقِ الأولى: عن الجرسِ حين يُقرَع، وعن الورقةِ حين تُوضَع بين اليدين، وعن العدّادِ حين يبدأ في الهبوطِ من أوّلِ نفَس. وأرجو أن يقرأه القارئُ وهو يسمع تكّةَ الساعةِ في أذنه؛ فإنّ ما يُقال هنا لا يُفهم بالعقلِ وحدَه، وإنّما يُفهم بالإحساسِ أنّ شيئًا ينقص الآن.

بُكَاءٌ وَاحِدٌ فَتَحَ السُّؤَالَا

وَقَدْ بَدَأَ الزَّمَانُ بِهِ الرِّحَالَا

صَحِيفَةُ مَوْلِدٍ بَيْضَاءُ تُهْدَى

وَمَا كَتَبَ الْجُدُودُ بِهَا مَقَالَا

وَعَقْرَبُهُ الْخَفِيُّ عَلَى الضُّلُوعِ

وَلَمْ يَرْفَعْ عَنِ الْأَجَلِ الظِّلَالَا

سَيَطْوِي السَّطْرَ فِي نِصْفِ الْكَلَامِ

وَلَا يُصْغِي لِمَنْ طَلَبَ الْمَجَالَا

يَسِيرُ ثَلَاثَةٌ فِي إِثْرِ نَعْشٍ

وَوَاحِدُهُمْ يُقِيمُ فَلَا زَوَالَا

ينفتحُ بابُ اللجنةِ الكبرى بصرخة. لا بطَرقٍ على الباب، ولا باستئذان، بل بصرخةٍ صغيرةٍ مبحوحةٍ تخرج من كائنٍ لا يعرف أين هو ولا لماذا جاء. تلك الصرخةُ هي إعلانُ الدخول؛ بها يُسجَّل حضورُ هذا الإنسانِ في قاعةِ الابتلاءِ الأرضية، وبها يُفتح له ملفٌّ باسمه، ويُكتب في أعلاه ما لا يعلمه هو: ساعةُ البدء، وساعةُ النهاية.

ومع النفَسِ الأوّل، قبل أن يفتح عينيه على الضوء، يستلم أوراقَ إجابته. إنّها ورقةُ العمر: صحيفةٌ بيضاءُ عذراء، لم يُخطَّ فيها بعدُ سوى نبضاتِ وجودِه الأولى. لا سطرَ فيها لأبيه، ولا حرفَ فيها لأمّه، ولا كلمةَ فيها لقبيلةٍ ولا لنسبٍ ولا لبلد. ورقةٌ واحدةٌ باسمٍ واحد، وكلُّ ما سيُكتب فيها سيُكتب بيدِه هو، وإن ظنَّ أنّ غيرَه يكتب.

الورقةُ التي لا تُستبدل

في قاعةِ المدرسة، إن أفسدَ الطالبُ ورقتَه رفعَ إصبعَه وطلب أخرى، فجاءه المراقبُ بورقةٍ نظيفة، وسحبَ الأولى ومزّقها أمامه. أمّا في القاعةِ الكبرى فالورقةُ واحدةٌ لا ثانيةَ لها، غيرَ أنّ فيها ما هو أعجبُ من الاستبدال: بابٌ للمحوِ مفتوحٌ ما دام الوقتُ يجري، وقلمٌ يمرُّ على السطرِ الأسودِ فيُبيّضه. وليس هذا تساهلًا في التصحيح، بل هو كرمٌ في نظامِه؛ فقد جاء في بيانِ ذلك النظامِ نصٌّ يُقرأ على مَهَل:

«إنَّ اللهَ كتبَ الحسناتِ والسيّئاتِ ثمَّ بيَّن ذلك: فمَن همَّ بحسنةٍ فلم يعملْها كتبها اللهُ عندَه حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعمِلها كتبها اللهُ له عشرَ حسناتٍ إلى سبعِمئةِ ضِعفٍ إلى أضعافٍ كثيرة. ومَن همَّ بسيّئةٍ فلم يعملْها كتبها اللهُ عندَه حسنةً كاملة، فإن هو همَّ بها فعمِلها كتبها اللهُ له سيّئةً واحدة»

صحيح البخاري · ٦٤٩١ — narrated by عبد الله بن عباس · graded صحيح by البخاري

فانظر إلى ميزانٍ يُضاعِف الحسنةَ عشرًا وسبعَمئةٍ وأضعافًا لا تُحصى، ويكتب السيّئةَ واحدةً لا تزيد، ويكتب الهمَّ بالخيرِ خيرًا وإن لم يقع. أيُّ لجنةٍ في الأرضِ تُصحَّح فيها الورقةُ على هذا النحو؟

لحظةُ الدخول واستلامِ الورقة

The hall you see

يقف الطالبُ على عتبةِ القاعة، في يده قلمٌ وفي جوفه رجفة. يقرأ رقمَه على ورقةٍ ملصوقةٍ بالجدار، فيمشي إلى المقعدِ الذي كُتب له. يجلس. يضع الورقةَ أمامه بيضاءَ لا شيءَ فيها إلا اسمُه في أعلاها. يرفع رأسَه إلى الساعة، ثمّ يُطأطئ. لم يبدأ بعد، وقد بدأ.

The greater hall

يخرج المولودُ إلى الهواء فيصرخ، فيُسجَّل حضورُه. تُوضَع بين يديه صحيفةٌ لا يراها، بيضاءُ كما وُضعت لكلِّ مَن سبقه، مكتوبٌ في أعلاها اسمُه واسمُ أمّه. ويُفتح الملفّ. ولا أحدَ في الغرفةِ يعلم أنّ لجنةً بدأت للتوّ، وأنّ الطفلَ الذي يُهدهَد الآن قد استلم ورقتَه وشرع في الكتابة.

ومنذ تلك اللحظةِ يجري شيءٌ صامتٌ لا يُحسُّ به أحد: الوقتُ الممنوحُ يبدأ في الانتقاص. كلُّ دقيقةٍ تمرّ، وكلُّ نفَسٍ يتردّد، وكلُّ نبضةِ قلبٍ تخفق، إنّما هي اقتطاعٌ مباشرٌ من زمنِ الامتحانِ الإجماليِّ الممنوحِ للطالبِ في هذه الحياة. والطفلُ الذي نحتفل بعيدِ ميلادِه الأوّل، ونُصفّق له، ونُشعل له شمعةً ثمّ نُطفئها، إنّما نحتفل بسنةٍ خرجت من رصيدِه لا بسنةٍ دخلت فيه. والشمعةُ التي تُطفَأ صورةٌ صادقةٌ لا يُراد بها معناها.

مدّةٌ لا تُعلَن

وثمّة فرقٌ بين القاعتين يُغيّر معنى الجلوسِ كلَّه. ففي قاعةِ المدرسةِ يُكتب زمنُ الامتحانِ على اللوحِ في أوّلِ سطر: ساعتان، ثلاثُ ساعات، والطالبُ يقسّم وقتَه على الأسئلةِ وهو مطمئنٌّ إلى أنّه يعرف متى ينتهي. أمّا في القاعةِ الكبرى فالمدّةُ مكتوبةٌ في الملفّ، غيرُ معلنةٍ لصاحبها. طفلٌ يُسحَب بعد سنة، وشيخٌ يُترك حتى تُرتعش يدُه فلا تُمسك القلم. ولو أُعلنت المدّةُ لكان الناسُ صنفين: صنفٌ يعمل في آخرِ ساعةٍ فقط، وصنفٌ يجلس مكتوفًا حتى يقترب موعدُه. فإخفاءُ الجرسِ هو الذي يجعل كلَّ لحظةٍ صالحةً لأن تكون الأخيرة، وصالحةً لأن تكون البداية.

وليس في يدِ الطالبِ من هذه المسألةِ إلا شيءٌ واحد: أن يكتب الآن. فالسطرُ الذي تكتبه في هذه الدقيقةِ هو السطرُ الوحيدُ الذي تملكه؛ أمّا سطرُ الغدِ فليس في ورقتِك ولا في يدِك، وإنّما هو في ملفٍّ لم يُفتَح لك بعد.